نظم مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، وبالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA)، جلسة نقاشية، بعنوان: "الاستشراف المستقبلي والديناميكيات السكانية: إطار متكامل للسياسات"، وذلك في إطار تعزيز قدرات الاستشراف الاستراتيجي ودعم التوجه نحو سياسات استباقية في المجال السكاني، وفتح الحوار بين صانعي السياسات والخبراء والمتخصصين، بما يعزز مرونة السياسات والاستراتيجيات الوطنية.
وتناولت الجلسة الروابط بين الديناميكيات السكانية والاستشراف الاستراتيجي، ودورهما في تطوير السياسات العامة وتعزيز الحوكمة الاستباقية، من خلال توظيف أدوات الاستشراف والذكاء الاستراتيجي لدعم أولويات الحكومة واختبار قدرة الاستراتيجيات الوطنية على التكيف مع التحولات المستقبلية، كما استعرضت الجلسة أثر المتغيرات السكانية على مسارات التنمية وصنع القرار، إلى جانب الخبرات الدولية والإقليمية في الانتقال من التحليل الديموغرافي إلى الحوكمة الاستباقية.
تضمنت الجلسة كلمة للدكتور أسامة الجوهري مساعد رئيس مجلس الوزراء ورئيس مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، تم خلالها الإشارة إلى أهمية الحدث باعتباره ممثلاً لمحطة مهمة في مسار التعاون بين المركز وصندوق الأمم المتحدة للسكان، ونقطة انطلاق نحو شراكة مؤسسية أوسع تستهدف تعزيز قدرات الاستشراف الاستراتيجي ودعم بناء سياسات عامة أكثر استعدادًا للمستقبل.
كما أن التعاون يأتي في توقيت تتزايد فيه الحاجة إلى تطوير نماذج جديدة لصنع السياسات تستند إلى الاستباقية والمرونة والقدرة على التعامل مع التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم على المستويات الديموغرافية والاقتصادية والبيئية، حيث تواجه الحكومات حالياً تحديات لم تعد تسمح بالاكتفاء بالتعامل مع الواقع القائم، بل تتطلب استشرافًا منهجيًا للمتغيرات المستقبلية واستعدادًا مؤسسيًا للتعامل مع سيناريوهات متعددة ومتغيرة.
وأشار الدكتور أسامة الجوهري، إلى إطلاق الدولة للاستراتيجية الوطنية للسكان والتنمية 2023–2030، والتي تستهدف تحقيق التوازن بين النمو السكاني والموارد المتاحة، والارتقاء بالخصائص السكانية باعتبارها ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة، مع تعزيز حوكمة الملف السكاني من خلال دعم دور وحدات السكان بالمحافظات، وتطوير آليات المتابعة والتقييم، والاستفادة من البيانات والمؤشرات السكانية في رصد الاتجاهات الديموغرافية وتحليلها واستشراف تطوراتها المستقبلية، بما يساعد على توقع الاحتياجات والتحديات المحتملة، وتحديد الأولويات وصياغة التدخلات والسياسات بصورة استباقية تتناسب مع الخصائص والاحتياجات المتغيرة لكل محافظة.
وحول النهج الاستباقي للدولة المصرية في التعامل مع التوزيع الجغرافي للسكان، أوضح الدكتور أسامة الجوهري أن مشروعات التوسع العمراني وإنشاء المدن الجديدة وتطوير المناطق غير الآمنة، أسهم في إعادة توزيع السكان وتحقيق قدر أكبر من التوازن في توزيع فرص التنمية والخدمات، مضيفًا أن الدولة تولي اهتمامًا كبيرًا بالاستثمار في رأس المال البشري، من خلال تحسين خدمات التعليم والصحة، وتعزيز فرص تمكين الشباب اقتصاديًا وتعزيز التمكين الاقتصادي والاجتماعي للمرأة.
وأكد أن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار يهتم بتعزيز قدرات الدولة المصرية في مجال الاستشراف المستقبلي، انطلاقًا من دوره كمركز الفكر الرئيسي الداعم لمتخذ القرار، حيث عمل المركز خلال السنوات الماضية على تطوير منظومة متكاملة للرصد والتحليل والاستشراف، تستند إلى توظيف البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي والنماذج وتحليل الاتجاهات العالمية والناشئة، بما يسهم في استشراف التحديات والفرص المستقبلية وتقديم رؤى وسياسات استباقية تدعم عملية صنع القرار الحكومي.
ومن جانبها، قالت جيرمين حداد، ممثل صندوق الأمم المتحدة للسكان في مصر، إن الصندوق حريص على التعاون مع الدولة المصرية للاستجابة للمتغيرات الديموغرافية وانعكاساتها على مسارات التنمية في مصر مع تعزيز التوجه نحو الاستشراف المستقبلي في هذا المجال، كأحد المحاور المهمة ضمن الخطة الاستراتيجية الجديدة لصندوق الأمم المتحدة للسكان خلال الفترة من 2026 إلى 2029، والتي تركز على التكيف مع التغيرات الديموغرافية وتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود، مع الحفاظ على حقوق وخياراتهم، بما يضمن مستقبلاً أفضل للأجيال الحالية والقادمة.
وأكدت "حداد"، أنه من الضروري فهم المتغيرات الحالية والاستعداد أيضًا للسيناريوهات المستقبلية وانعكاساتها على السياسات العامة والاستثمارات التنموية، واحتياجات السكان من الخدمات، وهو الدور المنوط بالاستشراف الديموغرافي، باعتباره أداة مهمة لدعم الحكومة المصرية في التخطيط للمستقبل واتخاذ قرارات أكثر استباقية، لافتة إلى وجود عوامل عديدة تشكل المستقبل، مثل: الهجرة، والتغير المناخي، والتطور التكنولوجي، والتحولات الاقتصادية والاجتماعية، وبما يترك تأثيرًا على احتياجات السكان وأنظمة الصحة والتعليم، وفرص العمل، والحماية الاجتماعية، وغيرها من القطاعات.
وشددت على أهمية الاستشراف الديموغرافي والجاهزية للمستقبل، بما يضمن قدرة الأنظمة والسياسات على التكيف مع التغير في احتياجات السكان وإتاحة الخدمات للجميع، بما يتطلب مراجعة بعض أولويات التخطيط وتحديد الفرص التي قد تتيحها التحولات الديموغرافية، وتوجيه الاستثمارات القطاعية بطرق مختلفة، مشيرة إلى أهمية التعاون مع "مركز المعلومات" بمجلس الوزراء لفهم تلك التغيرات وفق رؤية متكاملة للتعامل مع تداعياتها، والاستفادة من خبرات المركز في الاستشراف ودعم صنع القرار القائم على التحولات الديموغرافية، واستكشاف سيناريوهاتها المستقبلية، وربطها بالأدلة والبيانات، معبرة عن سعادتها بانطلاق ذلك التعاون بالتزامن مع قرب انعقاد "منتدى مصر 2026"، والذي أطلقه مجلس الوزراء تنفيذًا للتوجيهات الرئاسية، ليوفر مساحة للحوار والتفاعل بين الحكومة والمواطنين والخبراء حول مسارات التنمية والخطوات المستقبلية.
وتضمنت الجلسة عددًا من العروض التقديمية، كان من بينها عرض تقديمي للدكتور ماجد عثمان، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الأسبق، مؤسس المركز المصري لبحوث الرأي العام "بصيرة"، جاء بعنوان: "مستقبل السكان في مصر"، حيث تطرق "عثمان" إلى مستويات وأنماط الإنجاب والهجرة الداخلية والخارجية وغيرها، مشيرًا إلى أهمية الاستشراف المستقبلي في المجال السكاني لدوره في صياغات السياسات في العديد من المجالات التي تمس احتياجات المجتمع، مثل: توفير التعليم والخدمات الصحية.
كما ألقت الدكتور نهلة السباعي، رئيس الإدارة المركزية لدعم القرار بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، عرضًا تقديميًا بعنوان: "الاستشراف ودعم القرار الحكومي.. توظيف الذكاء الاستراتيجي في مواجهة عدم اليقين"، تناولت خلاله أهمية الاستشراف المستقبلي ووظائفه ودوره في دعم السياسات العامة، لافتة إلى مجموعة من التجارب الدولية الناجحة في ذلك المجال، خاصة بسنغافورة وفنلندا، كما أشارت إلى أهمية بناء منظومة متكاملة للذكاء الاستراتيجي لدعم القرار بدءًا من الرصد الاستراتيجي مرورًا بتحليل المخاطر وانتهاء بالمتابعة والتقييم.
في حين، ألقت دولت شعراوي، مسؤول برامج السكان والتنمية بصندوق الأمم المتحدة للسكان، عرضًا تقديميًا جاء بعنوان: "من الاستشراف إلى التطبيق العملي.. نحو نظم مستقبلية لأثر أكبر ومرونة أعلى"، مشيرة إلى أهمية الاستشراف في الوقت الحالي في ظل وجود أزمات مركبة ومتداخلة في ظل التغيرات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتغير المناخي وغيرها، بما يشير إلى ضرورة وجود نهج منظم لاستكشاف المسارات المستقبلية لدعم القرار وبناء الجاهزية والقدرة على التكيف.