المقاهي العشوائية تحاصر المرضى بدخان

بقلم: د. احمد ابو العلا | 2026-07-08


بقلم: الدكتور أحمد أبو العلا
استشاري أمراض الباطنة

لم تعد ظاهرة الانتشار العشوائي للمقاهي والتعدي على الأرصفة والطرق العامة مجرد مخالفة تنظيمية أو أزمة مرورية عابرة، بل أصبحت قضية صحية واجتماعية تمس حياة ملايين المواطنين، وتستوجب وقفة جادة من جميع الجهات المعنية. فالمواطن من حقه أن يعيش في بيئة نظيفة وآمنة، وأن يسير على الرصيف دون عوائق، وأن ينعم بالهدوء داخل منزله، بعيدًا عن الدخان والضوضاء اللذين أصبحا جزءًا من الحياة اليومية في كثير من الأحياء السكنية.

لقد تحولت الأرصفة، التي أُنشئت لخدمة المشاة، إلى امتداد للمقاهي بعد أن احتلتها الطاولات والكراسي والشيشة، وأصبح الأطفال وكبار السن وذوو الهمم والمرضى مجبرين على السير في نهر الطريق معرضين حياتهم للخطر. ولم تعد المشكلة مقتصرة على إشغال طريق أو مخالفة إدارية، بل أصبحت اعتداءً على حق المواطن في استخدام المرافق العامة بأمان وكرامة.

ومن منظور طبي، فإن أخطر ما تفرزه هذه الظاهرة هو الانتشار الواسع لتدخين الشيشة داخل المناطق السكنية. فالاعتقاد السائد بأنها أقل ضررًا من السجائر لا يستند إلى أي أساس علمي، إذ تحتوي على مئات المواد الكيميائية السامة، وتطلق كميات كبيرة من أول أكسيد الكربون والجسيمات الدقيقة التي تظل عالقة في الهواء، فيستنشقها الجميع، سواء كانوا مدخنين أم لا.

ويُعد التدخين السلبي من أخطر التحديات الصحية في الوقت الحالي، حيث يرتبط بزيادة معدلات الإصابة بأمراض القلب والشرايين، والجلطات، وارتفاع ضغط الدم، والانسداد الرئوي المزمن، ونوبات الربو، والتهابات الجهاز التنفسي، كما يرفع من احتمالات الإصابة بسرطان الرئة لدى غير المدخنين نتيجة التعرض المستمر للدخان.

ويظل الأطفال هم الحلقة الأضعف، لأن أجهزتهم التنفسية لا تزال في طور النمو، مما يجعلهم أكثر عرضة للحساسية الصدرية والالتهابات المتكررة، بينما يعاني كبار السن ومرضى القلب والسكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض الجهاز التنفسي من تدهور واضح في حالتهم الصحية نتيجة التعرض اليومي للدخان.

ومن المؤلم أن يعود المريض إلى منزله بعد رحلة علاج شاقة، أو بعد خروجه من المستشفى، بحثًا عن الراحة والهواء النظيف، ليجد نفسه محاصرًا بدخان الشيشة والضوضاء حتى ساعات متأخرة من الليل. فالبيئة الصحية الهادئة ليست رفاهية، بل هي جزء لا يتجزأ من العلاج، وتسهم بصورة مباشرة في استقرار الحالة الصحية وتسريع التعافي، بينما يؤدي التلوث الهوائي والضوضائي إلى إطالة فترات العلاج وزيادة المضاعفات.

ولا يقل التلوث الضوضائي خطورة عن تلوث الهواء، إذ تؤكد الدراسات الطبية أن الضوضاء المستمرة تؤدي إلى اضطرابات النوم، وارتفاع ضغط الدم، وزيادة إفراز هرمونات التوتر، وضعف التركيز، والإرهاق العصبي، كما ترتبط بارتفاع مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، فضلًا عن تأثيرها السلبي في التحصيل الدراسي للأطفال والإنتاجية اليومية للعاملين.

ولا تقتصر تداعيات هذه الظاهرة على الجانب الصحي فقط، بل تمتد إلى تعطيل الحركة المرورية، وتشويه المظهر الحضاري للمدن، وإعاقة حركة سيارات الإسعاف والإطفاء في أوقات الطوارئ، وهو ما يجعل القضية تمس الأمن والسلامة العامة بقدر ما تمس الصحة العامة.

وفي خضم هذه المشكلات، يبرز سؤال يفرض نفسه: أين دور أجهزة التفتيش والرقابة التابعة لشؤون البيئة والإدارات المحلية والبلديات؟ فهذه الأجهزة أُنشئت لحماية البيئة وصحة المواطنين، ومهمتها متابعة التزام المنشآت بالاشتراطات البيئية والصحية، ومنع التعدي على الأرصفة والطرق العامة، ورصد مصادر التلوث، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين. إلا أن المواطن لا يلمس هذا الدور بالقدر الذي يتناسب مع حجم المخالفات المنتشرة، وهو ما يستدعي إعادة تفعيل منظومة الرقابة، وتكثيف الحملات الميدانية، وتطبيق القانون بعدالة وحزم، دون استثناء أو تهاون، لأن هيبة الدولة تبدأ من احترام القانون، وحقوق المواطنين لا تُصان إلا بوجود رقابة حقيقية وفعالة.

كما أن تحقيق التوازن بين حق أصحاب المقاهي في ممارسة نشاطهم التجاري وحق السكان في بيئة صحية هو مسؤولية مشتركة، فلا يجوز أن تتحول المصالح الاقتصادية إلى مبرر للإضرار بالصحة العامة. فكل جنيه قد يتحقق من نشاط غير منظم قد يقابله أضعافه من الإنفاق على علاج الأمراض الناتجة عن التلوث، وهو ما يجعل الحفاظ على الصحة العامة استثمارًا اقتصاديًا قبل أن يكون واجبًا إنسانيًا.

ومن هنا، فإن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب رؤية متكاملة تقوم على التطبيق الصارم للقانون، وإزالة جميع التعديات على الأرصفة والطرق العامة، والرقابة المستمرة على المقاهي، ومنع مصادر التلوث، ونشر الوعي المجتمعي بمخاطر التدخين السلبي والضوضاء، مع تعزيز التعاون بين أجهزة البيئة والمحليات ووزارة الصحة وجميع الجهات المعنية، حتى يصبح احترام حق المواطن في بيئة سليمة ثقافة راسخة قبل أن يكون التزامًا قانونيًا.

إن المدن المتحضرة لا تُقاس بعدد المقاهي المنتشرة في شوارعها، وإنما بقدرتها على حماية الإنسان، واحترام حقه في الهواء النقي، والهدوء، والأمان، وجودة الحياة. فالدولة التي تحرص على صحة مواطنيها لا تكتفي ببناء المستشفيات وتوفير العلاج، بل تعمل على إزالة أسباب المرض من جذورها، وتفرض سيادة القانون على الجميع دون استثناء.

إن حماية صحة المواطنين ليست مسؤولية وزارة الصحة وحدها، بل هي مسؤولية وطنية تشترك فيها أجهزة البيئة، والمحليات، والبلديات، والأجهزة الرقابية، وكل مؤسسة معنية بالحفاظ على النظام العام. وعندما يصبح القانون هو الفيصل، والرقابة هي القاعدة، واحترام حقوق المواطنين هو الهدف، سنحصل على شوارع أكثر نظامًا، وهواء أكثر نقاءً، ومدن أكثر تحضرًا، ومجتمع يتمتع بصحة أفضل. فصحة الإنسان ليست مجرد ملف خدمي، بل هي أساس التنمية، وثروة الوطن الحقيقية، والاستثمار الذي لا يقدر بثمن.