يمثل تحفيز الجهاز المناعي للتعرف على الخلايا السرطانية أحد المسارات التي يراهن عليها الباحثون لتطوير علاجات أكثر فاعلية، خاصة في مواجهة سرطان البنكرياس الذي لا يزال من أكثر الأورام صعوبة في العلاج، بسبب ارتفاع احتمالات عودته حتى بعد الجراحة والعلاج الكيميائي. وفي هذا السياق، كشفت تجربة سريرية عن نتائج مشجعة للقاح تجريبي يستهدف طفرات جينية شائعة في هذا المرض.
وبحسب ما نشره موقع Science Alert نقلًا عن نتائج دراسة ظهرت في دورية Nature Medicine، نجح اللقاح في تحفيز استجابة مناعية لدى الغالبية العظمى من المرضى الذين خضعوا للتقييم، مستهدفًا تغيرات تصيب جينًا يعرف باسم «KRAS»، وترتبط بنمو الخلايا السرطانية في نسبة كبيرة من حالات سرطان البنكرياس.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة بسبب طبيعة المرض؛ إذ قد تنجح الجراحة في إزالة الورم الظاهر، لكن ذلك لا يعني بالضرورة القضاء على جميع الخلايا السرطانية، فقد تبقى خلايا دقيقة لا يمكن اكتشافها بسهولة، ثم تنشط مجددًا بعد فترة، مسببة انتكاسة يصعب التعامل معها.
لماذا يستهدف اللقاح جين KRAS؟
يركز اللقاح التجريبي على الطفرات التي تحدث في جين «KRAS»، وهو جين تلعب التغيرات التي تصيبه دورًا مهمًا في تطور السرطان الغدي القنوي للبنكرياس، الذي يمثل النوع الأكثر شيوعًا من أورام هذا العضو. وتشير البيانات الواردة في الدراسة إلى أن هذه الطفرات موجودة في نحو 90% من حالات هذا النوع من السرطان.
وتقوم فكرة اللقاح على تدريب الجهاز المناعي على التعرف على الخلايا التي تحمل هذه التغيرات الجينية، حتى يتمكن من رصدها ومهاجمتها بدلًا من تركها تنمو أو تعود إلى النشاط بعد انتهاء العلاج الأساسي.
وهذا النهج يختلف عن العلاجات التقليدية التي تستهدف الورم بصورة مباشرة؛ إذ يحاول الاستفادة من قدرات الجسم نفسه في اكتشاف الخلايا غير الطبيعية، من خلال توجيه الاستجابة المناعية نحو علامات محددة تميز الخلايا السرطانية.
استجابة مناعية ونتائج تحتاج إلى مزيد من الاختبار
قاد التجربة باحثون من مايو كلينك، وأظهرت النتائج أن جميع المرضى الذين شملهم التقييم تقريبًا طوروا استجابة مناعية ضد الطفرات المستهدفة. كما لاحظ الباحثون أن المرضى الذين سجلوا استجابة مناعية أقوى بدوا أقل عرضة لعودة المرض خلال فترات المتابعة، مع امتداد المدة التي عاشوها دون انتكاس.
وأوضح المؤلف الرئيسي للدراسة، اختصاصي علاج الأورام الدكتور بن جورج، أن سرطان البنكرياس كان تاريخيًا من الأورام التي يصعب التعامل معها باستخدام العلاج المناعي، معتبرًا أن القدرة على تحفيز استجابة قوية ضد طفرات «KRAS» تمثل خطوة مشجعة في هذا المجال.
ومع ذلك، لا تعني هذه النتائج أن اللقاح أصبح علاجًا مثبتًا أو أنه يمنع عودة السرطان بصورة مؤكدة؛ فإثبات ذلك يتطلب تجارب سريرية إضافية على أعداد أكبر من المرضى، ومتابعتهم لفترات كافية لتحديد مدى تأثير اللقاح في معدلات الانتكاس والبقاء على قيد الحياة.
وتظل أهمية الدراسة في أنها تقدم مسارًا بحثيًا واعدًا لمواجهة إحدى أكبر مشكلات سرطان البنكرياس، وهي عودة المرض بعد العلاج، عبر محاولة جعل الجهاز المناعي أكثر قدرة على اكتشاف الخلايا السرطانية المتبقية والتعامل معها.