لماذا نستيقظ عند الثالثة فجرا؟.. العلم يكشف سر عادة رافقت البشر عبر التاريخ

 لماذا نستيقظ عند الثالثة فجرا؟.. العلم يكشف سر عادة رافقت البشر عبر التاريخ

قد يثير الاستيقاظ المفاجئ في الثالثة فجرا القلق لدى كثيرين، خاصة عندما يتكرر ويصعب بعده استعادة النوم، وبينما يعتقد البعض أن الأمر مؤشر على مشكلة صحية، تكشف الدراسات العلمية أن هذه الظاهرة قد تكون امتداداً لنمط نوم طبيعي عاش عليه الإنسان لقرون طويلة، قبل أن تغير الثورة الصناعية والإضاءة الحديثة عادات النوم بشكل جذري.

اقرا أيضأ|انهيار جليدي في باكستان يحصد أرواح 10 متسلقين جبال| تفاصيل


النوم على مرحلتين.. عادة إنسانية قديمة

وتشير أبحاث تاريخية وعلمية إلى أن البشر اعتادوا في الماضي ما يعرف بـ"النوم المجزأ"، إذ كانوا يخلدون إلى النوم بعد غروب الشمس، ثم يستيقظون في منتصف الليل لمدة تتراوح بين ساعة وساعتين، يقضونها في الصلاة أو القراءة أو الحديث أو إنجاز بعض الأعمال المنزلية، قبل العودة إلى النوم مرة أخرى حتى بزوغ الفجر،ويرى الباحثون أن هذا النمط كان شائعاً لقرون، قبل أن تتغير أنماط الحياة مع انتشار الكهرباء وامتداد ساعات النشاط الليلي.


كيف غيرت الثورة الصناعية عادات النوم؟
مع ظهور الإضاءة الكهربائية وتغيّر أنماط العمل، تأخر موعد النوم تدريجياً، واختفى نظام النوم على مرحلتين ليحل محله النوم المتواصل طوال الليل، وهو النمط الذي أصبح ينظر إليه اليوم باعتباره الشكل الطبيعي للنوم.


ورغم ذلك، يؤكد خبراء النوم أن الجسم لا يظل في حالة واحدة طوال الليل، بل ينتقل بين دورات نوم تستغرق كل منها ما بين 90 و110 دقائق، وتتكرر أربع إلى ست مرات في الليلة الواحدة،وخلال النصف الأول من الليل يهيمن النوم العميق، بينما تصبح مراحل النوم أخف مع اقتراب الفجر، وهو ما يجعل الاستيقاظ في الساعات الأولى من الصباح أمراً طبيعياً لدى كثير من الأشخاص، كما يوضح المختصون أن معظم الناس يستيقظون عدة مرات خلال الليل من دون أن يتذكروا ذلك، لكن المشكلة تبدأ عندما يطول الاستيقاظ أو يتكرر يوميا في التوقيت نفسه.


دراسات تدعم فرضية النوم المجزأ


دعمت عدة أبحاث هذه الفكرة، إذ أظهرت دراسة أُجريت عام 1992 على متطوعين ناموا في مختبر خال من الساعات والإضاءة المسائية أنهم عادوا تلقائيا إلى نظام النوم على مرحلتين، وفي دراسة أخرى نشرت عام 2017، لاحظ الباحثون أن أفراد مجتمع زراعي في مدغشقر لا يعتمد على الكهرباء ليلا ما زالوا يميلون إلى النوم على فترتين منفصلتين، في مشهد يعكس أنماط النوم التقليدية التي عرفها الإنسان عبر التاريخ.


هل الكورتيزول مسؤول عن الاستيقاظ فجراً؟


ظل هرمون الكورتيزول، المعروف بدوره في تعزيز اليقظة، موضع اتهام باعتباره السبب الرئيسي للاستيقاظ في الثالثة فجرا.
غير أن دراسة حديثة نشرت عام 2025، وشملت أكثر من 200 مشارك، أظهرت أن مستويات الكورتيزول تبدأ بالارتفاع تدريجيا قبل الفجر سواء كان الشخص نائما أم مستيقظا، ما يشير إلى أن زيادة الهرمون جزء من الإيقاع البيولوجي الطبيعي للجسم، وليس بالضرورة نتيجة للاستيقاظ نفسه.
ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن العلاقة بين الكورتيزول والاستيقاظ الليلي لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات، نظراً لاختلاف الاستجابات بين الأشخاص.


أسباب صحية قد تؤدي إلى الاستيقاظ الليلي


ورغم أن الاستيقاظ فجراً قد يكون طبيعياً، فإن هناك عوامل صحية وسلوكية قد تزيد من حدوثه، من أبرزها:


انقطاع الطمث لدى النساء: يؤدي انخفاض هرموني الإستروجين والبروجستيرون إلى اضطراب النوم، مع زيادة الهبات الساخنة وارتفاع مستويات الكورتيزول خلال النصف الثاني من الليل.
انخفاض مستوى السكر في الدم: قد يحدث عند تناول وجبة عشاء خفيفة أو مبكرة، فيفرز الجسم هرمونات التوتر لرفع مستوى السكر، ما قد يؤدي إلى الاستيقاظ.

الكافيين والكحول: قد يسهم تناول القهوة في ساعات المساء، وحتى خلال فترة العصر لدى بعض الأشخاص، في اضطراب النوم، كما تشير مراجعة علمية نشرت عام 2025 إلى أن تناول كمية محدودة من الكحول قد يؤثر في مرحلة نوم الأحلام، ويزداد التأثير كلما ارتفعت الكمية.


كيف تحسن جودة نومك؟


يوصي خبراء النوم باتباع مجموعة من العادات التي تساعد على النوم بصورة أفضل، منها:
تجنب استخدام الشاشات الإلكترونية قبل النوم والحد من التعرض للضوء الأزرق.
تقليل استهلاك المشروبات المحتوية على الكافيين والكحول خلال ساعات المساء.
الالتزام بروتين يومي هادئ يساعد الجسم على الاسترخاء قبل النوم.
المحافظة على موعد ثابت للاستيقاظ يومياً، لما له من دور مهم في تنظيم الساعة البيولوجية.
إذا استمر الاستيقاظ لأكثر من 20 دقيقة، فمن الأفضل مغادرة السرير وممارسة نشاط هادئ، مثل القراءة أو الاستماع إلى موسيقى هادئة، حتى يعود الشعور بالنعاس، بدلا من البقاء متقلباً في الفراش.


بين الطبيعة والمرض.. متى يستدعي الأمر القلق؟


لا يعني الاستيقاظ في الثالثة فجراً بالضرورة وجود اضطراب صحي، فقد يكون انعكاسا لإيقاع بيولوجي طبيعي أو امتداداً لعادة نوم رافقت الإنسان عبر آلاف السنين، لكن عندما يصبح هذا الاستيقاظ متكرراً ويؤثر في جودة النوم أو النشاط خلال النهار، فإن استشارة الطبيب تظل الخيار الأمثل للكشف عن أي أسباب صحية محتملة ووضع العلاج المناسب، بما يضمن نوماً أكثر راحة وحياة يومية أكثر نشاطاً.