Loading...
رئيس مجلس الإدارة
د.حاتم صادق

المصرى اون لاينبوابة خبرية متخصصة

رئيس التحرير
قدري الحجار

إسرائيل من الداخل
هشام صلاح

هشام صلاح

 

بقلم هشام صلاح
مدير عام الموارد البشرية بجامعة السادات

ليست هذه محاولة لاستشرف المستقبل السياسي في إسرائيل ، لكنه مجرد طرح محدود لاستيعاب تطور الوضع الداخلى في هذا الكيان ، ودائما هناك صعوبة في فهم السياسة الإسرائيلية المعقدة ومتابعة التقلبات والمنعطفات في السياسة الخارجية للدولة اليهودية، ولكن اغرب ما يواجهه المتابع للوضع الداخلي هناك تسلسل صعود رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لسده الحكم ، ومنذ تفوقه بشكل غير متوقع على شيمون بيريز زعيم حزب العمل في انتخابات عام 1996 وتشعر ان شيئا ما قد أصاب تلك المنظومة السياسية.  والمثير للجدل انه على الرغم مما سارت وتسير اليه الأمور من احداث وتداعيات كارثية على المجتمع الإسرائيلي منذ احداث السابع من أكتوبر الماضى، هو استمرار بقاء نتنياهو في السلطة حتى الآن وهو ما يمثل المفارقة الكبرى في السياسة الإسرائيلية حالياً.
إن المفتاح لحل لغز نتنياهو هو التكوين الجديد للقوى الداخلية التي سمحت له بحكم البلاد بشكل مريح وارتكاب أخطاء في السياسة الخارجية مع الإفلات من العقاب الانتخابي. ويعتمد نتنياهو اليوم على تحالف محافظ يضم ثلاث قوى رئيسة: اليمين القومي الإسرائيلي، ويمينها المتطرف، ويمينها المرن. تشكل المجموعتان الأوليان منذ فترة طويلة جزءاً من المشهد السياسي في إسرائيل. أما الجديد فهو اليمين المرن، ويمكن وصف هذا المعسكر الجديد بدقة بأنه "يمين ناعم أو معتدل" لأن الأرثوذكس المتشددين لديهم موقف يميني خاص أكثر استسلاماً بكثير من موقف يمين الليكود التقليدي. فاليمين المرن عبارة عن ائتلاف فضفاض يتألف من ثلاثة مكونات رئيسة: الأشكناز الأرثوذكس المتشددون والسفارديم الأرثوذكس المتشددون والمهاجرون العلمانيون من الاتحاد السوفياتي السابق. وتسيطر أحزاب اليمين المرن مجتمعة على 21 مقعداً من أصل 120 مقعداً في الكنيست، البرلمان الإسرائيلي تقريبا في اى انتخابات، وهى نسبة مريحة للضغط وتمرير مشروعات القوانيين الداعمة ليهودية الدولة.
وما يهمنا هنا هو هذا اليمين المرن الذى نشط على الساحة السياسية منذ انتخابات عام 1996، فهو يمثل العنصر الأكثر عدوانية ضد كل ما هو عربي ، وشباب هذا العنصر هم من انتخبوا نتنياهو في تلك الانتخابات. هذا الجيل من الناشطين، الذي أصبح الآن في أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات من عمره، بات يهيمن تدريجاً على الأجندة السياسية لحركاته، واجتذب دعماً شعبياً متزايداً، بل ومن المدهش أنهم جعلوا حاخاماتهم المسنين يتبعون قيادتهم السياسية. ومع انتقال النشطاء من الوسط إلى اليمين، تبعهم عدد كبير من الناخبين المتشددين والمحافظين. ويستطيع نشطاء اليمين المرن الوصول إلى ما بين 15 و20 في المئة من الناخبين الإسرائيليين، على رغم أنهم لا يسيطرون عليهم بأي حال من الأحوال. تشمل المجموعات المرتبطة باليمين الديني المرن جيل الشباب من أغودات يسرائيل وديغيل هاتوراه وحركة حباد لوبافيتش وشاس ، وعديداً من الحاخامات السفارديم.
والأمر الأكثر أهمية هو أن النظام الانتخابي الجديد عزز اليمين المرن من خلال إرغام الحاخامات الأرثوذكس المتشددين المناهضين للصهيونية على الاختيار بين اثنين من المرشحين الصهاينة لمنصب رئيس الوزراء، وهو قرار لم يكن من الممكن تصوره في السابق. قبل عقدين من الزمن، والجاذبية المتزايدة لليمين بين نشطائهم الشباب، جعل نتنياهو المرشح بلا منازع لجميع الحاخامات الأرثوذكس المتطرفين. ومن المفارقة أن انتصار نتنياهو ـ انتخاب رئيس وزراء غير ملتزم دينياً وممارس للزنا باعترافه. أصبح، على نحو متناقض، انتصارهم. وبمباركة حاخاماتهم الذين يحظون بالاحترام، أصبح نشطاء اليمين المرن الورقة الرابحة لحزب الليكود. 
لايزال رئيس الوزراء ممتناً لليمين المرن الذي أعطاه أصواته، لكنه سارع إلى إدراك الثمن المنخفض لدعمه المستمر. ويعرف نتنياهو، الذي يتمتع بمهارات تواصل ممتازة، أن هذه الدائرة الانتخابية العاطفية مفتونة بالخطاب الشوفيني والهجمات على الإرهاب العربي. وعندما تندلع أزمة مع الفلسطينيين أو "حزب الله" أو "المتعاطفين العرب" المزعومين في أي مكان، يهرع نتنياهو المحارب نحو الكاميرات. وكان النجاح المذهل لهذه الاستراتيجية الإعلامية واضحاً بعد هجوم السابع من أكتوبر حيث نجح ليس فقط في توحيد الصف في إسرائيل بل جذب اكبر اساطيل العالم الحربية إلى شواطئ غزة لدعم حربة.
المشهد السابق لا يكتمل دون وضعه في اطار الصورة الحالية التي طغت عليها الاحداث الدراماتيكية غير المسبوقة ، وعكست المشاهد في الكنيست الإسرائيلي، الأسبوع الماضى ، عندما اقتحم العشرات من أهالي عائلات الأسرى الإسرائيليين في غزة، المعتصمين في القدس، اجتماعاً للجنة المالية في الكنيست، حالة الفوضى والانقسام التي تُظهر إسرائيل في أضعف مراحلها وهي عاجزة عن إعادة أسراها من القطاع بعد اكثر من 100 يوم، وجاءت هذه الخطوة بالتزامن مع تحركات أحزاب المعارضة لحل الحكومة الإسرائيلية وإجراء انتخابات مبكرة، من خلال اقتراح حجب الثقة، قدمه "حزب العمل" للتصويت في الكنيست بسبب الفشل في إعادة الأسرى من غزة، لكن أكثرية 61 عضواً في الكنيست من اليمين مقابل 18 عضواً آخرين ممن حضروا الجلسة، أفشلته ما دفع بزعيم المعارضة، يائير لبيد، إلى التوجه إلى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بدعوة إلى تحديد موعد للانتخابات المبكرة.هذه التحركات جاءت بعدما أعلن نتنياهو رفضه صفقة الأسرى المطروحة والتي بموجبها يعود جميع الأسرى من غزة على مدار تسعين يوماً، وفي محاولة منه لتخفيف حدة الغضب ومعارضته الجماهيرية ، وزاد من تعقيد المشهد مقتل ما يقرب من 24 جندي وضابط إسرائيلي في هجومين منفصلين لحماس في يوم واحد، ما وصفّه نتنياهو بانة يوم اسود وكارثي…في كل الأحوال فان الدائرة تضيق اكثر على رئيس الوزراء ، وربما تتدحرج الازمة الى انتخابات مبكرة ، وقتها لن يجد نتنياهو سوى يمينه المرن لدعمه ، وهنا يبرز السؤال السياسي الأكثر أهمية حول اليمين المرن الذى ينمو بقوة ، هل سيواصل دعم نتنياهو في قيادة الليكود من دون انقطاع؟... ومن الأهمية بمكان الإشارة الى أن اليمين المرن ليس يمينياً فحسب، بل هو مرن أيضاً. وهذا يعني ضمناً التزاماً ضعيفاً بالقيم الأساسية لليمين التقليدي: سلامة أرض إسرائيل بأكملها والتزام "الصهاينة التجديديين" ببناء المستوطنات. والاعتقاد السائد إن هذا اليمين المرن سيبقى موالياً لليكوديين ما دام ثمن ذلك ليس باهظا. لكن اذا ارتفعت فاتورة دعم الليكود أكثر مما ينبغي، فإن غالبية اليمين المرن لن تتردد في التخلي عن نتنياهو في اى مرحلة مقبلة لمواجهة مصيره وحيداً.. وهذا ليس نهاية الطريق ، لكنه بداية لاعصار سياسي تتجمع وتتصادم رياحه في إسرائيل ولا يعرف احد الى اين الاتجاه.



تواصل معنا