Loading...
رئيس مجلس الإدارة
د.حاتم صادق

المصرى اون لاينبوابة خبرية متخصصة

رئيس التحرير
قدري الحجار

تداعيات الصراع الأمريكي الاسرائيلى على إيران فى أسواق العملات الأجنبية.
دكتور باسل نعمان

دكتور باسل نعمان


بقلم دكتور باسل نعمان 
باحث اقتصادى 

تُعد أسواق العملات الأجنبية من أكثر القطاعات الاقتصادية تأثرًا بالمتغيرات الجيوسياسية حيث تتحرك بوتيرة سريعة استجابة لحالة عدم اليقين التي تفرضها الأزمات الدولية وفي حال نشوب صراع مع دولة بحجم وأهمية إيران فإن التأثير لا يتوقف عند حدودها الجغرافية بل يمتد ليطال بنية الاقتصاد العالمي بأكمله نظرًا لما تمثله من ثقل في سوق الطاقة وموقع استراتيجي مؤثر في حركة التجارة الدولية وهو ما يجعل أي اضطراب مرتبط بها عاملًا مباشرًا في إعادة تشكيل اتجاهات رؤوس الأموال وأسعار الصرف عالميًا

في هذا السياق تتعرض العملة المحلية للدولة محل الصراع لضغوط متزايدة نتيجة تراجع الثقة في الاقتصاد وتسارع خروج رؤوس الأموال وانخفاض تدفقات الاستثمار الأجنبي وهو ما يؤدي في الحالة الإيرانية إلى تدهور قيمة العملة وارتفاع معدلات التضخم وتآكل القوة الشرائية بصورة متسارعة حيث تتحول التحديات الاقتصادية إلى أزمات مركبة تحت وطأة الحرب

وفي المقابل تتجه التدفقات الاستثمارية نحو ما يُعرف بالملاذات الآمنة حيث يزداد الطلب على العملات الأكثر استقرارًا مثل الدولار الأمريكي والفرنك السويسري والين الياباني وهو ما يؤدي إلى ارتفاع قيمتها مقابل العملات الأخرى مدفوعًا برغبة الأسواق في تقليل المخاطر والاحتماء باقتصادات أكثر صلابة وقدرة على امتصاص الصدمات

ولا يمكن فصل هذا المشهد عن تطورات سوق النفط حيث تمثل إيران أحد اللاعبين الرئيسيين في هذا القطاع وأي اضطراب في إنتاجها أو صادراتها يدفع الأسعار العالمية إلى الارتفاع وهو ما يخلق معادلة معقدة في أسواق العملات إذ تستفيد عملات الدول المصدرة للطاقة بينما تتعرض عملات الدول المستوردة لضغوط متزايدة نتيجة ارتفاع فاتورة الواردات وتفاقم العجز التجاري

ومع تصاعد الصراع غالبًا ما تتسع دائرة العقوبات الاقتصادية التي تؤدي إلى تقييد حركة التجارة وتقليص الوصول إلى العملات الأجنبية وهو ما ينعكس في اتساع الفجوة بين السعر الرسمي للعملة والسوق الموازية ويعزز من نشاط الأسواق غير الرسمية ويزيد من تعقيد المشهد النقدي داخل الدولة المتأثرة

وفي خضم هذه التطورات يبرز الدور الحاسم للبنوك المركزية التي تسعى إلى احتواء التداعيات عبر أدوات السياسة النقدية سواء من خلال رفع أسعار الفائدة للحد من التضخم أو التدخل المباشر في أسواق الصرف لدعم العملات المحلية إلا أن هذه الإجراءات رغم أهميتها قد تؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع تكلفة التمويل خاصة في الدول النامية التي تعاني أصلًا من ضغوط هيكلية

كما تتفاقم حدة التقلبات في الأسواق المالية العالمية حيث ترتفع مستويات المخاطر وتتراجع شهية المستثمرين تجاه الأصول عالية المخاطر في حين تتزايد عمليات المضاربة على العملات مستفيدة من التذبذبات الحادة وهو ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى تحركات سعرية تتجاوز العوامل الاقتصادية التقليدية وتعكس حالة القلق المسيطرة على الأسواق

وفي سياق متصل تمتد تداعيات الصراع إلى سلاسل الإمداد العالمية التي تتسم بهشاشة متزايدة حيث يؤدي أي اضطراب في الممرات البحرية أو إمدادات الطاقة إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين وهو ما ينعكس على أسعار السلع عالميًا ويولد ضغوطًا تضخمية إضافية تنتقل بدورها إلى اقتصادات الدول المستوردة وتؤثر بشكل غير مباشر على استقرار عملاتها

أما على مستوى الدول النامية فإن التأثير يكون أكثر حدة حيث تواجه اقتصادات تعتمد على الاستيراد تحديات مضاعفة نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة الضغوط على الاحتياطيات النقدية وتراجع قيمة العملة المحلية وهو ما يترجم في النهاية إلى ارتفاع معدلات التضخم وتآكل القدرة الشرائية وزيادة الأعباء على الموازنات العامة بما يفرض ضغوطًا اقتصادية واجتماعية متشابكة

وفي المحصلة يعكس أي صراع محتمل مع إيران نموذجًا معقدًا لتداخل السياسة بالاقتصاد حيث تتحول أسواق العملات الأجنبية إلى مرآة تعكس حالة عدم اليقين التي تسيطر على النظام المالي العالمي وهو ما يؤكد أن الاستقرار السياسي يظل العامل الحاسم في الحفاظ على توازن الأسواق وضمان استدامة النمو الاقتصادي في عالم تتزايد فيه الترابطات المالية بشكل غير مسبوق



تواصل معنا