تصريح مستشار المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي بأن “السيطرة على مضيق هرمز، تعادل امتلاك قوة ردع بمستوى السلاح النووي، وهي ورقة حيوية لن نتخلى عنها”، ليس مجرد كلام عابر، بقدر ما يكشف قمة الهرم لمطالب طهران في المفاوضات الجارية. فأهميته تتجاوز كونه ممراً للطاقة، ليصبح أصل الردع الحقيقي في الاستراتيجية الإيرانية.
في البداية، يجب رصد بعض الحقائق المهمة. إن إيران تعتبر المشهد الجاري في المنطقة عرضياً وليس دائماً، وأنه مرتبط بما تبقى من مدة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض، على أقصى تقدير 30 شهراً، منها آخر ستة أشهر يحصل فيها ترامب على لقب “البطة العرجاء” لحين انتخابات الرئاسة المقبلة. وأن الملف النووي ذا قيمة استراتيجية قصوى، يمكن أن يتم تأجيله تحت ضغط اللحظة الراهنة، لكن من المستحيل التنازل عنه، خاصة بعد هذه الحرب التي أثبتت أنه لو كانت تمتلك سلاح الردع، لما كانت واشنطن أو تل أبيب قد قامتا بمهاجمتها.
وهي ترى أن برنامجها النووي يمكن حصاره وخنقه تكنولوجياً إلى حين، لكنها تدرك أنه عندما تصل دولة ما إلى مرحلة المعرفة التقنية الذاتية بتفاصيل البرنامج النووي، يصبح الحصار المادي غير فعال في منع التطوير، بل قد يتحول إلى محفز للابتكار المحلي. ويساهم في ذلك جارتها التي سبق أن أمدتها بكثير من المعرفة النووية من خلال العالم الباكستاني عبد القدير خان. مضافاً إلى ذلك، تعد وعورة التضاريس في إيران عامل حماية طبيعياً وتكتيكياً، فانتشار منشآت التخصيب في مناطق جبلية حصينة أو تحت الأرض يجعل من الرصد الجوي أو الفضائي عملية معقدة، ويقلل من فعالية أي عمل عسكري مباشر أو رقابة دولية صارمة.
ما ينطبق على الملف النووي ينطبق بصورة أكبر على البرنامج الباليستي، وكلاهما يمكن استعادتهما أو حتى العمل عليهما مهما كانت آلية المراقبة. لكن الذي يمثل مكسباً حقيقياً هو السيطرة على مضيق هرمز، الذي تراه فرصة جيوسياسية يصعب تكرارها.
تدرك إيران أن هرمز هو عنق الزجاجة الذي لا يمكن الاستغناء عنه كلياً، فهو يمر عبره يومياً ما يتراوح بين 20 إلى 21 مليون برميل من النفط الخام والمشتقات النفطية، وهذا يمثل نحو 20% من إجمالي استهلاك النفط العالمي، وحوالي 30% من إجمالي النفط المنقول بحراً في العالم. كما يمر عبره أكثر من 25% من إجمالي تجارة الغاز المسال العالمية سنوياً. وأي إغلاق كلي أو جزئي للمضيق، أو حتى تهديد لأمن الملاحة فيه، قد يؤدي إلى قفزة في أسعار النفط العالمية في ساعات قليلة.
ورغم وجود بدائل مثل خطوط الأنابيب عبر السعودية والإمارات، إلا أنها لا تستوعب سوى جزء ضئيل من التدفقات الضخمة، مما يبقي الذهب محبوساً خلف بوابة هرمز.
في المقابل، هناك العوائق القانونية واتفاقية جامايكا 1982 التي تحظر فرض أي رسوم، فالمادة 38 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تنص على حق جميع السفن في المرور العابر السريع والمتواصل دون قيود أو رسوم. والاستثناء الوحيد يوجد في المادة 42 التي تسمح بفرض رسوم فقط مقابل خدمات محددة تُقدم للسفينة مثل الإرشاد أو الإغاثة.
لكن منذ أن أطلقت طهران تهديدها وفرضت رسوماً بالفعل على بعض السفن، تحول التهديد إلى نموذج ملهم لدول أخرى تمتلك مضائق استراتيجية.
بالفعل، في أبريل الماضي، أثار وزير مالية إندونيسيا بوربايا يودهي ساديوا جدلاً واسعاً عندما اقترح علانية فرض رسوم على السفن المارة بمضيق ملقا، مستشهداً بالنموذج الإيراني في هرمز. واجه هذا المقترح معارضة شرسة من سنغافورة وماليزيا أدت إلى تراجع جاكرتا، لكن الفكرة أصبحت مطروحة على الطاولة كأداة ضغط مستقبلية.
أما الصين فهي تراقب بدقة، فإذا نجحت إيران، فإنها ستستخدم ذلك كسابقة قانونية للمطالبة بفرض قيود أو رسوم مرور في مضيق تايوان أو أجزاء من بحر الصين الجنوبي، معتبرة إياها مياهاً داخلية أو مناطق تخضع لسيادتها الأمنية.
أزمة مضيق هرمز الحقيقية تتلخص في أنه يكاد يكون من المستحيل تأمينه عسكرياً. فمن الناحية التكتيكية، يمثل كابوساً أمنياً لأي قوة نظامية، فالألغام البحرية الذكية غير المكلفة، والزوارق الانتحارية السريعة، والمسيرات التي تنطلق من منصات مخفية وسط التضاريس الوعرة، تجعل من مفهوم تأمين الممر ضرباً من الخيال. فهناك وجود عسكري بحري أمريكي في المنطقة، لكنه يعجز عن منع الهجمات الرمادية التي لا تترك بصمة واضحة أو تتم عبر وكلاء، مما يجعل شركات التأمين تضع قيوداً صارمة أو ترفض تغطية رحلات السفن تماماً، مما يجبر الملاك على التوقف القسري، وهو ما يمثل حصاراً واقعياً دون الحاجة لشن حرب شاملة.
إيران تريد أن تبعث برسالة مباشرة مفادها أن دفع رسوم مرور، أو حتى إتاوة مقننة، قد يصبح أقل كلفة من انهيار سلاسل التوريد أو المخاطرة بفقدان الناقلات. وهذا يفسر لماذا تبدو القوى العظمى مشلولة اليد أمام هذا التهديد.
حركة الملاحة من وإلى المضيق تُقدر بنحو 3000 سفينة شهرياً في الأحوال الطبيعية، وفرض رسوم على جزء من هذه السفن قد يحقق مليارات الدولارات سنوياً، وهو ما سبق أن أغرى ترامب، كرجل أعمال يبحث عن المكاسب والصفقات، فأعلن عن دراسة مشروع مشترك محتمل مع إيران لفرض رسوم عبور منظمة في المضيق.
هرمز لديه كل المقومات ليصبح منجم ذهب ثابتاً لإيران والقوى المسيطرة عليه، بشرط ألا تبالغ هذه القوى في الضغط لدرجة تدفع العالم إلى ابتكار بدائل جذرية تجعل من المضيق طريقاً مهجوراً. ما يحدث يشير إلى أننا بصدد ميلاد نظام مالي بحري جديد يعتمد على الدفع مقابل الأمان.. ويبقى السؤال: بعد ما سبق، هل يمكن أن يصبح “هرمز” كارت “الجوكر” الذي تحصل من خلاله طهران على صفقة فورية تتعلق برفع شامل للعقوبات الدولية واستعادة أموالها المجمدة من البنوك الأمريكية، مقابل ضمان حرية الملاحة من جديد؟




