Loading...
رئيس مجلس الإدارة
د.حاتم صادق

المصرى اون لاينبوابة خبرية متخصصة

رئيس التحرير
قدري الحجار

حرب غزة تشعل الخلافات الأمريكية الإسرائيلية
الدكتور حاتم صادق

الدكتور حاتم صادق

 

وضعت الأزمة المستمرة بين واشنطن وتل ابيب التى أصبحت علنية اكثر من اللازم الكثير من علامات الاستفهام والاسئلة على غرار من الطرف الأقوى الذي يمارس سطوته على الآخر، وهل الخلاف سيعيد تشكيل العلاقة الخاصة والراسخة بين الجانبين منذ ما يقرب من 75 عاما ؟

في بداية الأمر يجب توضيح ان الخلاف بين الإدارات السياسية الحاكمة في كلا البلدين فقط، وليس في توجهات واستراتيجيات كل منهما لدى الآخر.. ومؤخرا وصلت الخلافات بين الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية إلى "نقطة تحول" بشأن نهج الأخيرة في الحرب على قطاع غزة، بعد أن بلغت ذروتها مطلع أبريل 2024 في أعقاب الغارة الجوية الإسرائيلية التي أسفرت عن مقتل سبعة من عمال الإغاثة في منظمة (المطبخ المركزي العالمي) الخيرية في القطاع، وكان من تداعياتها دعوة الرئيس الأمريكي جو بايدن لوقف إطلاق النار في قطاع غزة في 10 أبريل، ووصفه لسياسات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الحرب بالـ "خاطئة". ويأتي ذلك الموقف المتغير بعد موجة من التصريحات الناقدة لسياسات الحكومة الإسرائيلية بين أركان الحزب الديمقراطي لا سيما من زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس النواب تشاك شومر الذي وصف فيها الحكومة الإسرائيلية بأنها "أحد العقبات الرئيسية أمام السلام"، بالإضافة إلى جُملة أخرى من العوامل من بينها تطورات الحرب ذاتها، والتغير الملحوظ في الموقف الدولي منها.

الخلافات جاءت استكمالاً للتناقضات الظاهرة في الرؤى والسياسات بين الطرفين منذ تشكيل الحكومة الإسرائيلية في نهاية ديسمبر 2022، والتي وصفها الرئيس الأمريكي جو بايدن بأنها "الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل"، حيث تحفظت الإدارة الأمريكية على مكونات الحكومة من وزراء أحزاب الصهيونية الدينية، وامتناع أي من أركانها اللقاء مع وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريش أثناء زيارته لواشنطن في مارس 2023، وتأخر لقاء بايدن-نتنياهو لعدة شهور، قبل عقده على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2023، بخلاف عادة أن يُستقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي خلال فترة وجيزة من تكليفه في البيت الأبيض.

تشكل الموقف الأمريكي في مرحلة ما قبل الحرب؛ من مخاوف واشنطن بشأن تداعيات الأنشطة والممارسات المتطرفة لبعض أعضاء الحكومة الإسرائيلية، وتحديداً في موضوعين رئيسيين؛ الأول: يتمثل في مشروع "الإصلاحات القضائية" التي أحدثت انقساماً في الداخل الإسرائيلي بشكل غير مسبوق، والثاني: حول تزايد السلوكيات المتطرفة في الضفة الغربية، لا سيما مع خطط الحكومة تعزيز الاستيطان.

اما نقاط الخلاف ما بعد الحرب فكانت بشأن محاولات الحكومة الإسرائيلية تقويض الاستقرار في الضفة الغربية وتضييق الخناق على السلطة الفلسطينية، من جهة احتجاز أموال الضرائب الفلسطينية المعروفة باسم "المقاصة"، وتحذير واشنطن من أن ذلك قد يؤدي إلى انهيار السلطة الفلسطينية، في وقت تسعى في الإدارة الأمريكية لتمكين السلطة من إدارة قطاع غزة بعد انتهاء الحرب. ومن جهة أخرى تجاه ممارسات المستوطنين، حيث تزايدت حالات العنف تجاه الفلسطينيين في الضفة الغربية بعد اندلاع الحرب، والتي على إثرها فرضت الولايات المتحدة سلسلة من العقوبات على مستوطنين، إحداها في مطلع فبراير 2024 ولاحقاً في 14 مارس، بالإضافة إلى عزم الإدارة الأمريكية فرض عقوبات على كتيبة "نيتسح يهودا" لاتهامها بانتهاكات حقوق الإنسان في الضفة الغربية.

بالرغم من توافق الطرفين على الأهداف الرئيسية للحرب، والمتمثلة في الإفراج عن المحتجزين الإسرائيليين لدى الفصائل الفلسطينية، والقضاء على قدرات حركة حماس، إلا أن نقطة الخلاف بينهما تكمن في الوسائل والأدوات لتحقيق تلك الأهداف وفي مسائل ما بعد الحرب، منها ضغط واشنطن منذ شهور للتوصل إلى هدنة طويلة تتيح الإفراج عن المحتجزين الإسرائيليين من جهة، وتفسح المجال أمام إدخال المساعدات الإنسانية إلى أهالي قطاع غزة. في المقابل تُصر الحكومة الإسرائيلية على الاعتماد على الضغوط العسكرية للإفراج عنهم، وتعلن استعدادها لاجتياح مدينة رفح في جنوب القطاع وسط معارضة أمريكية ودولية خوفاً على مصير ما يزيد عن مليون فلسطيني يقطنون فيها.

 

وممطالب واشنطن بتحسينات ملموسة على حياة الفلسطينيين في القطاع، وتجنب القتل العشوائي للمدنيين، حيث بلغت حصيلة ضحايا الحرب في القطاع إلى حوالي 33 ألفاً حتى منتصف أبريل. وقد استجابت إسرائيل للضغوط الأمريكية بالتحول إلى عمليات عسكرية أقل كثافة، حيث لا ينشط في قطاع غزة حالياً سوى لواء ناحال، بعد أن سحبت تدريجياً معظم فرقها وألويتها العسكرية من القطاع، إلا أن تهديدات أخرى تطال حياة الفلسطينيين في ظل الحصار الإسرائيلي الخانق، لا سيما في مناطق شمال القطاع، وسط تقارير دولية تنبئ بـ"مجاعة وشيكة"، وهو ما دفع الولايات المتحدة للتحرك بشكل منفرد لإدخال المساعدات عبر إسقاط المساعدات جوا، وإعلانها عن إنشاء رصيف بحري مؤقت في قطاع غزة بهدف تسهيل مهمة إيصال المساعدات إلى أهالي القطاع.

بينما يتفق الطرفان على هدف تقويض حركة حماس، إلا أن الولايات المتحدة لا ترى في الأدوات العسكرية فحسب سبيلاً إلى ذلك، دون التعامل من المطالب المشروعة للشعب الفلسطيني، ولذلك فقد حددت ضمن أهدافها لما بعد الحرب إقامة دولة فلسطينية موحدة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهو المسعى الذي تعارضه الحكومة الإسرائيلية، وسط معارضة أمريكية لإعادة احتلال إسرائيل للقطاع وبشكل قد يؤدي إلى استدامة مشروعية حركة حماس وتعزيز فكرة المقاومة المسلحة بين الفلسطينيين، من وجهة نظر واشنطن.

بالنسبة للولايات المتحدة فإن التغير الملحوظ في خطاب الإدارة الأمريكية لا يعبر فحسب عن أداة لممارسة الضغوط الحكومة الإسرائيلية، بقدر ما يُشير إلى نقطتين أساسيتين وهما اعتباره غاية ذات قيمة وأهمية استراتيجية لإدارة الرئيس جو بايدن، سواء على المستوى الانتخابي أو حتى السجل التاريخي لتلك الإدارة، حيث ترى أن الفرصة سانحة لإحداث تحول كبير في المشهد الكلي للشرق الأوسط، يبدأ بإزالة حكم حركة حماس من قطاع غزة، وإحلال السلطة الفلسطينية في إدارة القطاع، في مسعى أمريكي لإنشاء دولة فلسطينية، تُلبي متطلبات حل الدولتين. وهو الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر على مفاوضات السلام السعودية-الإسرائيلية التي ترعاها الولايات المتحدة، وتشترط فيها الرياض على إنشاء دولة فلسطينية مستقلة، تعترف مقابلها بدولة إسرائيل. وبذلك سيكون في سجل بايدن إنجاز لن يُسهم فحسب في دعمه في الانتخابات ضد منافسه الجمهوري دونالد ترامب، بل سيسجل أيضاً له في التاريخ بأنه الرئيس الذي استطاع تجاوز معضلة الصراع الأكثر تعقيداً في العالم.

والأمر الثاني يعكس ذلك التغير اتجاهاً استراتيجياً للولايات المتحدة، من حيث أن الحرب في قطاع غزة أعادت الشرق الأوسط ضمن أولويات واشنطن، بعد محاولات حثيثة من الإدارات الأمريكية الثلاث الأخيرة (باراك أوباما ودونالد ترامب وجو بايدن) لتقليل انخراط بلادهم في صراعات الشرق الأوسط والتركيز على التنافس الاستراتيجي مع الصين في منطقة الإندوباسيفيك، وروسيا في القارة الأوروبية، حيث وجدت الإدارة الأمريكية أن الحرب الناشئة في قطاع غزة، أثرت بشكل ملحوظ في دعمها المقدم لأوكرانيا في دفاعها ضد روسيا، ما بات يترتب عنه مخاطر جدية على قدرة الجيش الأوكراني من التمسك في الأرض مع التقدم الملحوظ للجيش الروسي في مناطق استراتيجية عدة من شرق أوكرانيا، ولذلك تحاول الإدارة الأمريكية تسريع تمرير المساعدات العسكرية إلى كييف، بعد موافقة مجلس النواب على مشروع قانون يتيح تقديم حوالي 60 مليار دولار لمواجهة الحرب الروسية، ولدعم الدول الأوروبية التي عادت بعد توقف المساعدات لأشهر إلى خطاب الدفاع الأوروبي المستقل عن الولايات المتحدة وتهديد فرنسا إرسال قوات للدفاع عن أوكرانيا، ما يُهدد بجر أوروبا وحلف الناتو في حرب مباشرة مع روسيا.

من المرجح أن تستمر الخلافات بين الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية، حول أولويات كل منهما خلال الفترة القادمة، لكن تعمق ذلك الخلاف إلى بُنية العلاقات الثنائية أمر مستبعد ودلالته تمرير مجلس النواب الأمريكي الذي يسيطر عليه الديمقراطيين، ومنهم مناهضين للحرب في قطاع غزة، حُزمة مساعدات عسكرية إلى إسرائيل. ويبقى تفضيل واشنطن التعامل مع حكومة إسرائيلية أكثر استجابة وتعاطي مع أولوياتها الاستراتيجية مسألة قابلة للنقاش، خاصة بعد الصمت الأمريكي تجاه المظاهرات التي تشهدها تل أبيب يومياً وتطالب بانتخابات مبكرة، واستضافة شخصيات يمين الوسط من معارضي نتنياهو وحكومته في واشنطن مثل غانتس ولابيد، ما يُشير إلى رغبة أمريكية في إعادة إسرائيل هندسة حكومتها بعيداً عن التيارات المتطرفة.



تواصل معنا