“شعر رأسي يشتعل”.. عبارة قالها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عقب اتصال له مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد أن أعلن الأخير عبر “تروث سوشيال” تراجعه عن توجيه ضربات جديدة لإيران.. ربما هذا التعبير هو الأكثر دلالة حول ما آلت إليه طبيعة العلاقات بين الرجلين، وكأن السحر انقلب على الساحر.
فبينما تدفع إسرائيل باتجاه استئناف الضربات العسكرية، تواصل واشنطن منح المسار الدبلوماسي فرصة إضافية، في مشهد يكشف اتساع الفجوة بشأن كيفية المضي قدماً في الحرب التي يجدها الأول فرصة للبقاء في السلطة، بينما يراها الثاني ورطة يجب الخلاص منها بأقل الخسائر.
هذا الخلاف ليس مجرد تباين في وجهات النظر، بل يؤكد شعوراً متنامياً في البيت الأبيض بالخديعة، بينما تراها تل أبيب مخاوف من تهميش دورها في صياغة الترتيبات الأمنية للمنطقة.
ترامب كان يعتبر نتنياهو من أكثر أصدقائه في الشرق الأوسط، وحالة الاستياء الحالية لديه تستند إلى تقديرات إسرائيلية سابقة أشارت إلى أن الحرب (والتي بدأت بضربات واسعة في فبراير 2026) ستؤدي إلى انهيار سريع في القدرات الإستراتيجية لطهران أو إجبارها على الاستسلام الفوري.
لكن النتيجة الميدانية جاءت مغايرة. فتحولت المواجهة إلى حرب مفتوحة هددت الاستقرار الاقتصادي العالمي ورفعت أسعار الوقود، ما شكّل عبئاً سياسياً داخلياً على إدارة ترامب مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس.
الأزمة لم تكن فقط عكسية على جبهة القتال، لكنها وصلت إلى درجة أضرت بسمعة الولايات المتحدة التي أصبحت وحيدة بعد الفخ الذي سقطت فيه، فلا حلفاء غربيون يرغبون في تقديم يد العون لها، ولا شركاء آسيويون يرون أن من مصلحتهم منح ترامب قبلة حياة هو نفسه قد حرمهم منها بقوانينه وجماركه التي أرهقت اقتصادهم.
عشية الهجوم على إيران، لم يكتفِ نتنياهو بالتواجد في غرفة العمليات مع الرئيس دونالد ترامب، بل قاد النقاش أيضاً، متوقعاً أن هجوماً أمريكياً إسرائيلياً مشتركاً سيؤدي إلى سقوط الجمهورية الإسلامية. إلا أنه، وكما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز، بعد أسابيع قليلة، وبعد أن تبددت هذه الوعود المتفائلة، تغير الوضع تماماً.
فقد عزلت واشنطن إسرائيل لدرجة أن قادتها باتوا تقريباً خارج دائرة المعلومات المتعلقة بمحادثات وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران.
هذا الاستبعاد، من أعلى الهرم إلى أسفله، يحمل تداعيات سياسية بالغة الأهمية لنتنياهو، الذي يواجه حملة انتخابية صعبة هذا العام، والذي روّج لنفسه أمام الناخبين كشخصٍ يؤثر في ترامب ويتخذ القرارات معه.
التقارير الدبلوماسية الأخيرة (منها ما نقلته وكالة أكسيوس) كشفت عن حدوث مكالمات هاتفية متوترة للغاية بين الرجلين، حيث أظهر نتنياهو غضباً شديداً من بنود التسوية المقترحة. في المقابل، جاء رد ترامب علناً ليعكس رغبة في فرض الإرادة الأمريكية حين صرح بأن نتنياهو “سيفعل ما أريده في النهاية”، مستبعداً أي رغبة في الاستمرار في حرب لا تخدم المصالح الأمريكية المباشرة.
يشعر الجانب الإسرائيلي بقلق بالغ جراء عدم إشراكه بشكل كامل وتفصيلي في بعض مسارات التفاوض غير المباشر بين واشنطن وطهران. هذا السلوك الدبلوماسي الأمريكي يفسره مراقبون على أنه نوع من “العقاب السياسي” أو الرغبة الأمريكية في تحجيم قدرة نتنياهو على إفشال المحادثات، خاصة في ظل سعي تل أبيب المستمر للدفع نحو استئناف العمليات العسكرية بذريعة أن التراجع الآن يمنح إيران فرصة لإعادة بناء شبكاتها العسكرية والالتفاف على العقوبات.
لكن إلى أين سيؤدي هذا الخلاف؟ السيناريو الأكثر ترجيحاً هو أن ترامب سيمضي قدماً في مسار التسوية الدبلوماسية مدفوعاً برغبته في إنهاء الحروب المفتوحة. ولتفادي صدام كامل مع تل أبيب، قد تقدم واشنطن حزمة ضمانات أمنية معززة لإسرائيل (مثل نشر منظومات دفاع جوي متطورة أو توقيع اتفاقيات أمنية ثنائية طويلة الأمد)، لإجبار نتنياهو على القبول بالأمر الواقع نظراً لاعتماد إسرائيل الكامل على الدعم اللوجستي والعسكري الأمريكي.
السيناريو الثاني، هو محاولات إسرائيلية للالتفاف الميداني، فإذا شعر نتنياهو أن الاتفاق الوشيك يشكل تهديداً وجودياً لأمن إسرائيل أو لمستقبله السياسي، فقد تلجأ تل أبيب إلى تنفيذ عمليات استخباراتية أو ضربات موضعية نوعية داخل إيران أو ضد حلفائها لإفساد مناخ التفاوض وإجبار طهران على الرد، وبالتالي إعادة جر واشنطن إلى مربع التصعيد العسكري.
هناك بعدٌ آخر للخلاف بين الطرفين، فهو قد يعجل بالانتقال من رؤية “الشرق الأوسط الجديد” القائم على الحسم العسكري المطلق، إلى رؤية قائمة على “إدارة الصراع واحتوائه”.
فواشنطن تبحث عن توازن يحمي تدفق الطاقة والتجارة الدولية عبر تسويات إقليمية تشارك فيها قوى مثل باكستان ودول الخليج، بينما تصر الرؤية الإسرائيلية على أن الاستقرار لا يتحقق إلا بالإنهاء الكامل للنفوذ الإيراني، وهو ما تراه واشنطن بعد التجربة الميدانية هدفاً غير واقعي عسكرياً ومرتفع التكلفة سياسياً.
المشكلة أنه عندما دخل ترامب الحرب لم يكن متوقعاً أن يضطر إلى التفاوض مع الإيرانيين، بل كان يعتقد أنه يأمر فيطاع، وينتهي الأمر، وهذه المفاوضات التي باتت تمثل له فرصة لتحقيق “انتصار دبلوماسي” وإنهاء الصراع، هي في حقيقة الأمر تمثل صيغة انتصار لنظام طهران. في المقابل ينظر نتنياهو إلى مسودة الاتفاق الحالية ببالغ القلق، ويعتبرها مقدمة لحرب قادمة لا محالة.
الحقيقة أن كل خطوة تخطوها واشنطن تجاه المفاوضات مع طهران لا تقتصر على إعادة رسم التوازنات في المنطقة فقط، بل هي بالتأكيد تقطع وتراً في العلاقات مع تل أبيب وتعيد تعريف حدود التحالف الأمريكي الإسرائيلي الذي تعاظم منذ عودة ترامب للبيت الأبيض.




