الانقسام صارخ بين الروايتين الأمريكية والإيرانية، حول بنود اتفاق التفاهم المفترض توقيعه بين الجانبين لإنهاء الحرب. ما تعلنه طهران، تنفيه واشنطن، وما يؤكده وزير الخارجية عباس عراقجي، يكذبه نظيره الأمريكي، مايك روبيو.
وما بين هذا وذاك، تبقى المؤشرات المتاحة للتقييم قليلة جداً، وتنحصر في الملف النووي ومضيق هرمز والأموال التي سيُفرج عنها وأخيرًا رفع الحصار البحري عن إيران.
في أغلب الأحيان نحن أمام اتفاق تراتبي، خطوة مقابل خطوة، ما يعني أن تعثر تنفيذ أي التزام سيؤدي إلى تراجع أو على أقل تقدير تجميد لعملية المفاوضات. في كل الأحوال، الوضع بالكامل سيكون هشاً وفرص انهياره أكبر من قابلية تنفيذه.
لذلك، فإن الانتقال من "ضبابية النصوص والمفاوضات" إلى "صلابة الحقائق على الأرض" هو الأسلوب الرصين والوحيد القادر على تقديم قراءة صادقة وواقعية. بناء على ذلك، هناك نتائج ثابتة وملموسة تحققت بالفعل في هذه المعادلة:
أولاً، أن فتح مضيق هرمز بيد إيران أصبح حقيقة جيوسياسية. هذه النتيجة الميدانية تعكس تحولا حاسما في موازين القوى. وإجراء الفتح الذي تم برغبة وإشراف إيراني يثبت عمليا أن طهران فرضت واقعا جديدا أصبحت فيه الملاحة بالمضيق ربما تحت قرارها المباشر لحين إشعار آخر.
وهذا ينقلنا مباشرة إلى تهديد ترامب الذي أطلقه ضد سلطنة عمان، والتي كشفت تقارير استخباراتية أنها تتعاون مع السلطات الإيرانية لترتيب وتنسيق عملية المرور في المضيق، ما يشير إلى أن طهران باتت تسبق بخطوة، خاصة أن الرسوم المقررة من جانب طهران لن تفرض باعتبارها إتاوة لكن مقابل خدمات لوجيستية على حسب ما أعلنت هيئة إدارة المضيق التي أنشأتها طهران.
هذا التحقق على الأرض يتجاوز أي نصوص تفاوضية؛ لأنه يدعم نفوذ إيران على واحد من أهم الممرات المائية في العالم، وهو اعتراف ضمني من القوى الدولية بقدرة إيران على الإغلاق والفتح بناء على مصالحها.
ثانياً، أن إعلان ترامب وتأكيده على رفع الحصار والقيود يمثل نتيجة مادية ثابتة لا يمكن نفيها، بغض النظر عن تفاصيل الاتفاق "السري". هذا الإجراء يحمل دلالة سياسية واقتصادية كبرى؛ فهو يعكس تراجعا أمريكيا حاداً عن استراتيجية "الضغط الأقصى" التي مارستها الإدارات الأمريكية لسنوات، وهو أيضا اعتراف من واشنطن بعدم جدوى العقوبات في إخضاع النظام الإيراني، بل وتحولا نحو تقديم تنازلات اقتصادية ملموسة لطهران لوقف التصعيد.
ثالثاً، البند المتعلق بالإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة في البنوك الأمريكية، وهذا الأمر قد حسم بشكل ما أثناء الزيارة التي قام بها وفد إيراني رفيع المستوى ضم رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي، بالإضافة إلى محافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي.
فالزيارة تمثل دليلاً على أن الحصار بدأ يتفكك فعليا عبر قنوات مالية؛ فالنقاش تركز على آلية الإفراج عن نحو 24 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة.
الرواية الميدانية المسربة تشير إلى أن طهران تتعامل بحذر شديد وتطالب بالحصول على نصف المبلغ، أي 12 مليار دولار، فور التوقيع على مذكرة التفاهم التي تضم 14 بندا، والنصف الآخر خلال 60 يوما، لتجنب تجارب التعنت الأمريكي السابقة.
رابعاً، تصريحات المسؤولين الأمريكيين لموقع "أكسيوس" عن الحصول على تعهدات شفهية إيرانية بعدم السعي لتطوير سلاح نووي وتجميد التخصيب خلال فترة الـ 60 يوما، تبدو كأداة تسويق سياسي يحتاجها ترامب بشدة.
من الناحية الاستراتيجية، "التعهدات الشفهية" لا قيمة قانونية أو تقنية لها في عالم الاتفاقيات النووية. لكن إدارة ترامب وإعلام واشنطن يدفعون بهذا الخطاب لتبرير التراجع عن سياسة "الضغط الأقصى" ورفع الحصار والموافقة على مناقشة الإفراج عن مليارات الدولارات، مظهرين الأمر وكأن أمريكا فرضت شروطها النووية سلفا.
في المقابل، تؤكد المعطيات القادمة من طهران أن الملف النووي قد تم ترحيله بالكامل ليكون مادة للتفاوض خلال فترة الـ 60 يوما وليس شرطا مسبقا للتوقيع؛ وبالتالي، فإن النفي الإيراني يأتي لرفض الرواية الأمريكية التي تحاول تصوير طهران وكأنها استسلمت في الملف النووي مقابل رفع الحصار.
هذا التباين الحاد بين البروباغندا السياسية والواقع الميداني، يوضح أن ما يحدث يمثل "اتفاق بلا هوية" وهو أقرب إلى "صفقة تهدئة ميدانية واقتصادية مؤقتة"، جرى غزلها بغطاء من التصريحات المتناقضة.
يمكن أن نتفهم النفي أو التكذيب الإيراني باعتباره جاء من الدولة الأضعف تقنيا في هذا الصراع، لكن في الوقت نفسه يصعب فهم النفي الأمريكي والتذبذب والتضارب في التصريحات الصادرة سواء من البيت الأبيض أو الرئيس ترامب، إلا من خلال القاعدة السياسية التي تم ترسيخها أثناء حرب فيتنام التي تقول "عندما تكذب الدول الكبرى فهي في أزمة".
نحن بالفعل أمام مشهد يتحدث فيه الميدان بصوت أعلى من السياسيين. رفع الحصار وتدفق الحركة عبر المضيق هما الحقيقتان اللتان تعيدان تشكيل واقع الشرق الأوسط الآن، فإيران حصلت على متنفسها الاقتصادي مع تثبيت نفوذها البحري، أما ترامب فقد حصل على التهدئة التي يحتاجها للهروب من المستنقع، قبل أن تتقلص أوراقه وخياراته مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وما بينهما من بنود سرية يظل تفصيلاً ثانويا أمام هذه النتائج الكبرى التي قد تغير الواقع الاستراتيجي للمنطقة بالكامل. لهذا يبدو أن الاتفاق، رغم غموض هويته، صيغ لشراء الوقت أكثر مما صيغ لحسم الصراع.




