Loading...
رئيس مجلس الإدارة
د.حاتم صادق

المصرى اون لاينبوابة خبرية متخصصة

رئيس التحرير
قدري الحجار

الصراع على "ممرات المستقبل"
الدكتور حاتم صادق

الدكتور حاتم صادق

الحصار البحري الذي فرضته أمريكا على إيران يصعب فهمه بعيداً عن معادلة صراع "السيادة والتفوق التكنولوجي" بين الولايات المتحدة والصين. والرد الحاسم والفوري الذي جاء على لسان وزير دفاع الصين، دونغ جون، أكد هذا عندما قال، إن حرية الملاحة وتدفق الطاقة من إيران يمثلان مصلحة أمنية قصوى، وأن بلاده لن تسمح للحصار بالإضرار باقتصادها، واضعاً بذلك خطوطاً حمراء أمام أمريكا. بعدها مباشرة عبرت المضيق ناقلة النفط "ريتش ستاري" الصينية، التي تحمل نحو 250 ألف برميل من الميثانول الإيراني، وهي أول سفينة تغادر الخليج منذ بدء الحصار.
ليس من المصادفة أن تأتي إيران بعد فنزويلا ضمن استهدافات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ فكلا البلدين يوفران لها ما يقرب من 20% من وارداتها النفطية الفعلية، وهي إمدادات تضمن لها "أماناً سعرياً" واستقلالية عن الضغوط الغربية، مما يجعلها ورقة رابحة في المواجهة الاقتصادية مع واشنطن.
من دون شك الحصار يستهدف إيران أولاً، ويزيد من إرهاقها اقتصادياً، حيث إن أكثر من 90% من تجارتها البحرية النفطية وغير النفطية تمر عبر مضيق هرمز. كما أن بدائلها لمحاولة الالتفاف على الحصار محدودة للغاية. والمشكلة أنه لو طُبق بفاعلية، وتوقف التصدير لفترة طويلة وتعذر تصريف النفط الخام، فسيمثل ذلك خطراً تشغيلياً حقيقياً على حقول النفط، لا سيما إذا امتلأت السعات التخزينية البرية والصهاريج المتاحة، وهو ما قد يفرض إغلاقاً قسرياً لبعض الآبار.
وفي مثل هذه الحالات، قد تواجه بعض الحقول المتقادمة مخاطر فنية تتعلق بسلامة المكامن وتراجع كفاءتها الإنتاجية، مما يتسبب في تلفها. في هذه الحالة وتحت وطأة ضخامة الخسائر، قد تلجأ طهران إلى خيارات تصعيدية لرفع كلفة الأزمة على جميع الأطراف، ولا يُستبعد من هذه الخيارات اللجوء إلى تلويث بيئي أو بحري في محيط المضيق أشبه بما جرى بعد احتلال الكويت، لإرباك حركة الملاحة ورفع كلفة التأمين والشحن عالمياً.
في المقابل، فإن الحصار الأمريكي له جانب آخر يخدم أغراضها ضمن المواجهة الاقتصادية مع بكين بمنطقة الخليج العربي التي باتت مسرحاً للتنافس فيما بينهما؛ فهو ينقلها من مجرد منافسة على عقود الطاقة إلى صراع استراتيجي يشمل: التكنولوجيا، الطاقة المتجددة، العملات الرقمية، و"ممرات المستقبل" ومن ضمنها هرمز.
تشير تقديرات عام 2026 إلى أن التجارة بين دول الخليج والصين في طريقها لتجاوز حاجز 325 مليار دولار بحلول العام القادم، متخطية بذلك إجمالي تجارة الخليج مع الولايات المتحدة وأوروبا مجتمعتين. فبكين لم تعد مجرد "مستهلك نفط"، بل أصبحت الشريك التكنولوجي الأول لمشاريع "الرؤى الوطنية" (مثل رؤية 2030 السعودية)، خاصة في مجالات البنية التحتية الذكية. أما أمريكا، فهي تحاول موازنة هذا الثقل عبر مشروعات نوعية مثل ممر (IMEC)، الذي يربط الهند بالشرق الأوسط وأوروبا، ليكون منافساً مباشراً لمبادرة "الحزام والطريق".
وتمارس واشنطن ضغوطاً مستمرة على دول الخليج للحد من التعاون مع شركة "هواوي" في شبكات الجيل الخامس والحوسبة السحابية، بدعوى المخاطر الأمنية على القواعد الأمريكية في المنطقة، وهو ما يمثل خطاً أحمر لها. في الوقت نفسه نجحت بكين في توقيع اتفاقيات لبناء مراكز بيانات عملاقة في السعودية والإمارات، مما يعزز نفوذها بقطاع "البيانات الضخمة" الذي تعتبره واشنطن تهديداً استخباراتياً أيضاً.
وشهد عام 2025 تسارعاً في استخدام العملات المحلية لتسوية المعاملات النفطية، وبدأت بعض الشحنات النفطية والغازية بين الصين ودول خليجية تُسوى فعلياً عبر اليوان الرقمي. ورغم أن الدولار لا يزال هو المهيمن، إلا أن مجرد وجود بديل تقني صيني جاهز يقلل من فاعلية "سلاح العقوبات" الأمريكي، وهو ما تراقبه واشنطن بقلق شديد، كونه يهدد النظام المالي العالمي التقليدي.
في الربع الأول من هذا العام، كان اتجاه صناديق الثروة السيادية الخليجية لزيادة استثماراتها في شركات التكنولوجيا الصينية، مقابل قيام بكين بتوطين صناعات السيارات الكهربائية داخل المنطقة.
ومنذ مجيء ترامب إلى البيت الأبيض كان هدفه الأول كبح جماح التفوق التكنولوجي الذي تحقق فيه الصين قفزات مذهلة، والأزمة التي أشعلها في فنزويلا، والحرب على إيران، التي كان يمكن أن تسبب ضرراً بالغاً وبشكل مباشر وفوري للاقتصاد الصيني بعد تعطيل صادرات النفط، كغيرها من المستوردين، لكنها كانت الطرف الأكثر جاهزية لتحويل هذه الأزمة إلى فرصة لفرض هيمنتها التكنولوجية (في قطاع الطاقة المتجددة) وتثبيت أقدامها كقوة سياسية عظمى تملأ الفراغ الذي تتركه النزاعات العسكرية.
وكما استطاعت احتواء تداعيات الحرب اقتصادياً اعتماداً على مخزونها الاستراتيجي، نجحت بكين أيضاً في إدارة الأزمة سياسياً، ومن منطلق براغماتي بحت، مارست ضغوطاً على إيران لقبول التفاوض في مباحثات إسلام آباد، بالرغم من أنها قد تستفيد استراتيجياً من استنزاف واشنطن في الخليج لتوسع هامش تحركاتها في قضية استعادة السيادة على تايوان، أكبر منتج في العالم لأشباه الموصلات. وهذا ليس تناقضاً؛ بل هي تبحث عن "حرب مسيطر عليها" تؤدي لإنهاك الخصم دون الدخول في صراع مباشر يضر بمصالحها التجارية.
هذا ما أكده تقرير حديث صادر عن معهد ميتشل للدراسات الجوية، أبريل الجاري، بأن القوات الجوية الأمريكية لم تعد تمتلك القوة الكافية لمواجهة الصين في صراع مباشر. وخلص، إلى أن القدرات الحالية للقوات الجوية الأمريكية غير كافية لتحقيق النصر في حرب مباشرة ضد الصين. وبحسب الدراسة، فإن الوضع الحالي للقوات الجوية الأمريكية هو نتيجة عقود من نقص الاستثمار والتأخير في برامج التحديث وإعادة التجهيز. ونتيجة لذلك، لم يعد أسطول المقاتلات الأمريكية يمتلك القدرة والمدى اللازمين للبقاء والسيطرة على المجال الجوي ضد خصم مماثل.
المواجهة الحالية لم تعد حول "من يشتري النفط"، بل حول "من يضع القواعد التقنية والمالية للمنطقة"، ودخول وزير الدفاع الصيني على خط الأزمة يعكس إدراك بكين أن أمن الممرات البحرية لم يعد منفصلاً عن أمن مشاريع الربط الاستراتيجي التي تقودها، وعلى رأسها الحزام والطريق، مع التذكير بأن الصين هي اللاعب الأضخم في هذا المجال، حيث تسعى لربط آسيا بأوروبا وأفريقيا عبر شبكة برية وبحرية.
أزمة الحصار ومضيق هرمز تخدم بالتوازي أهدافاً أمريكية في إيران، وأخرى استراتيجية أوسع في مواجهة الصين ضمن "صراع الممرات"، وما نتابعه حالياً هو ذروة التنافس الجيوسياسي والاقتصادي العالمي، حيث تحولت الجغرافيا السياسية من صراع على "الأرض" إلى صراع على "الربط" بين الممرات والبيانات، والطاقة، وسلاسل الإمداد.



تواصل معنا