Loading...
رئيس مجلس الإدارة
د.حاتم صادق

المصرى اون لاينبوابة خبرية متخصصة

رئيس التحرير
قدري الحجار

اعترافات منزوعة القيمة
الدكتور حاتم صادق

الدكتور حاتم صادق

لن أكون متشائما اذا قلت ان ما يثار حول أهمية اعتراف ثلاثة دول أوروبية- اسبانيا، النرويج، ايرلندا- بالدولة الفلسطينية، جاء كطوق نجاه لبعض الباحثين عن وهم الانتصار ممن يرتدون عباءة المقاومة لتقديمه كمبرر للقبول بمغامرتهم الفاشلة يوم السابع من أكتوبر الماضى التي راح ومازال يسقط فيها عشرات الآلاف من القتلى الفسطينيين، فضلا عن تخريب اكثر من ٧٠٪ من قطاع غزة. وليس هذا سبب التشاؤم الوحيد!

بداية فان هذه الاعترافات منزوعة القيمة السياسية ولا ولن يترتب عليها أي حقوق إضافية يمكن ان الاستفادة منها مستقبلا. أيضا من غير المقبول ان يتم تسويقها بانها ثمن مقبول لحجم الدماء التي سالت وماتزال في القطاع منذ أكتوبر وحتى الآن وهى بالمناسبة اكثر من كل الضحايا الذين سقطوا في جولات الصراع العربي الإسرائيلي منذ عام 1967.

فعليا تعترف نحو 144 دولة من أصل 193 دولة أعضاء في الأمم المتحدة بدولة فلسطين، بما في ذلك أغلب دول نصف الكرة الأرضية الجنوبي وروسيا والصين والهند، بينهم عدد من الدول الأوروبية ، وتبعا لتحليلا نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" الامريكية، فان واشنطن هي من اعطت الضوء الأخضر للدول الثلاث للاعتراف بالدولة الفلسطينية، ليس كمنحة لحركة حماس بالطبع ، ولكن عقابا لرئيس الوزراء الاسراىيلي بنيامين نتنياهو الذي تعمد احراج واهانة الرئيس الأمريكي جو بايدن وقرر الدخول الي رفح الفلسطينية دون أي تخطيط مسبق مع البيت الأبيض. وهناك سبب اخر لهذا الكرم الأمريكي يجب الاشاره اليه فقط دون التطرق لتفاصيله وهو متعلق بالانتخابات الامريكية القادمة، حيث يتفوق الرئيس الأسبق دونالد ترامب علي بايدن في جميع استطلاعات الرآي، خاصة في أوساط الأمريكيين من أصول أوروبية، كما ان العديد دول الاتحاد الاوروبي يخشون من عودة الجمهوري دونالد ترامب مجددا للسلطة، لذلك فان منحهم بعض الحرية في التعامل مع القضايا الشرق أوسطية يمكن يعيد جزء من الثقة المفقودة بين الاتحاد الاوروبي وواشنطن في المستقبل المنظور علي الأقل عن طريق الحزب الديمقراطي المفضل لهم أوروبيا.     

علي كل حال فأن الاعتراف من وجهة نظر واشنطن هو مجرد ورقة ضغط ومساومة من جانب رجل البيت الأبيض الذي شعر بالاهانة هو في عام الانتخابات الامريكية وسآم من تحدي نتياهو له، فمستشارو بايدن يدركون ان الاعتراف مجرد شكل رمزي ومعنوي فقط وليس له أي إضافة قانونية للحقوق الفلسطينية، والهدف الحقيقي هو زيادة عزلة نتنياهو خاصة بعد قرار المحكمة الجنائية الدولية التي طالبت بمحاكمته. 

العلاقة بين بايدن ونتنياهو تدهورت بشكل مطرد، بعد شهرين تقريبا من بدء الحرب علي غزة، وبعد ان وصل بايدن الي إسرائيل بعد ساعات من هجوم السابع من أكتوبر بصحبة اساطيله البحرية في مظاهرة تضامن غير مسبوقة، بدأت الخلافات تشق طريقها بين الرجلين بسبب الاستخدام المفرط في القوة الإسرائيلية دون تحقيق أي تقدم ملموس علي الأرض، وجاء دخول الدبابات الإسرائيلية الي رفح الفلسطينية لينق الخلافات الي مرحلة الصدام العلني. وعلى الرغم من أن التوترات بشأن الهجوم الإسرائيلي الوشيك على رفح بدأت في فبراير الماضي، إلا أن إحباط مسؤولي إدارة بايدن تزايد بشكل كبير عندما فشل نتنياهو في تعديل المسار بعد الدفاع عن بلاده في 13 أبريل ضد أكثر من ثلاثمئة صاروخ وطائرة دون طيار إيرانية.

حقيقة الخلاف كانت حول سؤالين..هما: كيف ننتهي من هذا ، وكيف تري إسرائيل غزة بعد اليوم التالي للحرب؟ لم تحصل إدارة بايدن علي أي أجوبة محددة مرة بسبب تعقيدات الأوضاع داخل الحكومة الإسرائيلية، ومرة بسبب تغيير الخطط العسكرية علي الأرض.. والنتيجة صفر. وما زاد من حجم الخلافات ان البيت الأبيض بات علي قناعة ان نتنياهو اخرط في تكتيكات سياسية وعسكرية جعلت إسرائيل اقل امنا ومعرضة لمخاطر أصبحت تآتيها من علي بعد بالاف الكيلو مترات عن حدودها.

وتنتقد الإدارة الأميركيةُ نتنياهو على تركيزه على التكتيكات تركيزا كاملا على حساب الإستراتيجية. وتشمل هذه التكتيكات تحرير الرهائن، وهو ما فعله بنجاح جزئي فقط، وقتل بعض مقاتلي حماس وقادتها، الا ان الطريقة التي نفذ بها تلك التكتيكات أدت إلى زيادة المعارضة الدولية وتسببت في خسائر غير ضرورية، في حين تركت القيادة العليا لحماس سليمة.

في حين يري البيت الأبيض انه يمكن الحصول علي مكاسب اكثر استدامة باتفاقيات سلام باضعاف مما يمكن الحصول عليها بالحرب بل واقل كلفة.. وعلي حسب البيت الأبيض فان البناء علي الاتفاقيات الابراهيمية التي وقعها الرئيس السابق ترامب مع قادة عرب وإسرائيل وتتويجها باتفاق شامل بين تل ابيب واكبر دولة عربية نفطية في المنطقة ، الامر الذي من شأنه أن يمنح إسرائيل المزيد من الاستقرار والامن باضعاف مما يمكن أن توفره حتى عملية رفح الأكثر نجاحًا ضد حماس.

واستند البيت الأبيض علي وجاهة رؤيته من خلال عودة مقاتلي حماس إلى الظهور في مناطق غزة التي طهرتها القوات الإسرائيلية عسكريا، مثل خان يونس، حيث يعتقد أن يكون زعيم حماس يحيى السنوار مختبئًا. ويرى المسؤولون الأميركيون ان إستراتيجيتهم تتلخص في قيام إسرائيل بإغلاق الحدود المصرية مع غزة ومطاردة قادة حماس دون القيام بعمليات واسعة النطاق تؤدي إلى خسائر لا داعي إليها. وبعد ذلك تقوم قوة دولية، أو ربما قوة عربية فقط، بتوفير الأمن في غزة، في حين تعمل إسرائيل مع آخرين من أجل إنشاء بنية قيادية فلسطينية قادرة على الضغط على حماس. ثم تتفق جميع الأطراف على مسار يؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية، وتتسارع الجهود نحو التطبيع السعودي وإعادة هندسة البنية الأمنية الإقليمية.

لا شك أن التطبيع الإسرائيلي - السعودي من شأنه أن يمنح إسرائيل فرصة ذهبية للبقاء آمنة في المنطقة ، الا ان نتنياهو وحكومته المآزومة تواجه معضله كبيرة تتلخص في تضارب الأهداف، فهو يريد التطبيع وفي الوقت نفسه يريد رآس السنوار واستعادة الرهائن.. وكلاهما من الصعب تحقيقهما سويا او علي الأقل في الوقت نفسه.



تواصل معنا