أوهام إثيوبيا

هل يكفي إثيوبيا امتلاك ١٢ طائرة سوخوي ٣٥ و٤ بطاريات إس ٤٠٠، حتى لو تضاعفت تلك الأرقام، لتغيير ميزان القوى في منطقة القرن الإفريقي أو البحر الأحمر؟ قد يشير البعض إلى أن تدخل روسيا وحده يكفي لإحداث هذا التغيير.
لكن الأمر ربما يكون أكثر تعقيداً؛ فهذه المنطقة تكاد تكون متخمة بالقواعد العسكرية والتحالفات، نظراً لأهميتها الجيواستراتيجية الاستثنائية وإشرافها على مضيق باب المندب والبحر الأحمر، الذي يمر عبره حجم ضخم من التجارة العالمية والنفطية.
تُعد جيبوتي الدولة الأكثر استضافة للقواعد الأجنبية في العالم، نظراً لموقعها الفريد على باب المندب. لديها قاعدة أمريكية، وصينية، وفرنسية، ويابانية، وإيطالية، وقوات أوروبية من ألمانيا وإسبانيا. أما الصومال، فتوجد بها ثلاث قواعد لأمريكا وتركيا والإمارات العربية. وفي إريتريا، توجد تسهيلات استخباراتية ورصد إلكتروني لإسرائيل. كما وقعت موسكو اتفاقيات وتفاهمات أمنية مع أسمرة لاستخدام مرافق في ميناء مصوع، وتعتمد روسيا في تعزيز نفوذها ميدانياً على الوجود غير الرسمي والشركات الأمنية الخاصة (مثل الفيلق الإفريقي/فاغنر سابقاً)، التي تنشط في تقديم الخدمات الأمنية والعسكرية والتدريب في السودان ودول الجوار الإفريقي.
أما التحالفات والترتيبات الأمنية والعسكرية، فتوجد مظلة الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة، التي تهدف إلى دعم الحكومة الصومالية ومواجهة حركة الشباب، وتشارك فيها قوات من دول مجاورة وإفريقية مثل أوغندا وبوروندي، وكينيا، وجيبوتي، وإثيوبيا.
وهناك مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، الذي تأسس بمبادرة إقليمية لتعزيز التعاون والأمن بين الدول المطلة على البحر الأحمر، ويضم السعودية ومصر والأردن والسودان وجيبوتي والصومال وإريتريا، ليكون إطاراً للتنسيق السياسي والأمني ضد التهديدات البحرية والتدخلات الخارجية.
على الجانب الآخر، تروج المواقع الإخبارية الإسرائيلية لفكرة أن هذا التسليح (١٢ طائرة سوخوي ٣٥) يكفي لتحجيم قدرة مصر على توجيه ضربة لسد النهضة. لكن، حتى لو زاد هذا الرقم، يبقى الأهم من السلاح هو إمكانية توظيفه والقدرة على التعامل معه.
طبقاً لما هو مذكور في المواقع العسكرية المتخصصة، مثل جلوبال فاير باور ومعهد ستوكهولم للتسليح، فإن المسافة بين القواعد المصرية وسد النهضة تزيد على 1500 إلى 2000 كيلومتر. وسلاح الجو يمتلك مقاتلات رافال وميج-29 وإف-16، مدعومة بطائرات تانكرز للتزود بالوقود جواً، وصواريخ جو-أرض بعيدة المدى، وصواريخ كروز مثل «سكالب»، التي تتيح إطلاق الصواريخ من مسافات آمنة خارج مدى منظومات الدفاع الجوي المباشرة.
منظومة S-400، رغم كفاءتها العالية، تحتاج إلى تكامل تام مع شبكة رادارات إنذار مبكر طبقية (دفاع جوي قصير ومتوسط وبعيد المدى)، بالإضافة إلى التغطية ضد الصواريخ الشبكية أو الصواريخ ذات الارتفاع المنخفض جداً، والنفاذ الإلكتروني. فالمنظومة ليست حصناً مطلقاً إذا تم تشغيلها بشكل منفصل أو معزول، ومن دون غطاء حرب إلكترونية متكامل.
وأي هجوم جوي مخطط له يستخدم التمويه الجوي والحرب الإلكترونية والتشويش المكثف، واستهداف القواعد والمطارات التي تنطلق منها المقاتلات الإثيوبية قبل العملية أو أثناءها، مما يقلل كفاءة هذه الطائرات في الاعتراض.
المؤسسة العسكرية المصرية تملك عقوداً من الخبرة في بناء شبكات الدفاع الجوي والعمليات الجوية المركبة (COMAO)، والتشويش والحرب الإلكترونية، وهو عامل تفوق حاسم في أي مواجهة تكتيكية أو استراتيجية.
العامل الحاسم في نجاح أو إجهاض مثل هذه الضربات لا يتوقف عند مجرد أرقام قطع السلاح الإثيوبية، بل يتوقف على سيناريو الهجوم والاستخبارات والتخطيط الإلكتروني والعسكري المتكامل.
الطريف في الأمر، وفقاً لما نشره موقع nziv.net الإسرائيلي، أن هذه الطائرات التي حصلت عليها إثيوبيا هي طائرات Su-35E، المصنعة أصلاً لمصر. وكانت القاهرة قد ألغت هذه الصفقة بعد أن غيرت وجهتها إلى الرافال المتطورة. وأن موسكو عقدت الصفقة مع أديس أبابا لأنها كانت تبحث عن «مشترين جاهزين» للتخلص من المخزون الذي تم تصنيعه، ولتجنب إلحاق الضرر بخط الإنتاج المخصص لجيشها بسبب الحرب في أوكرانيا.
الخلاصة، فإن ما يتم تداوله عن أن صفقة الأسلحة الروسية لإثيوبيا كفيلة بتغيير موازين القوى في القرن الإفريقي، والحد من الدور المصري، هو مجرد أحلام؛ فحجم القواعد العسكرية وتداخل شبكة المصالح وتعقيدات المشهد في تلك المنطقة تجعل من المستحيل أن تصبح ١٢ طائرة وأربع بطاريات دفاعية من طراز إس ٤٠٠ كفيلة بقلب الطاولة هناك. وتبقى الاحتمالات محصورة إما في محاولة أديس أبابا تحقيق مكاسب دعائية محلية ومحدودة لرفع الروح المعنوية دون تأثير استراتيجي حقيقي، أو تصعيد حالة التوتر العسكري المؤقت دون القدرة على فرض معادلة جديدة، في ظل بقاء الأوزان الاستراتيجية الكبرى والتحالفات الدولية ثابتة، لا تتأثر بتلك الصفقات المحدودة.