لم تعد حوادث الموتوسيكلات مجرد حوادث متفرقة نسمع عنها من وقت إلى آخر، وإنما أصبحت مشهدًا متكررًا في العديد من الشوارع والطرق، بالتزامن مع شكاوى متزايدة من القيادة المتهورة، والسير عكس الاتجاه، وعدم الالتزام بإشارات المرور، وقيادة بعض الموتوسيكلات دون لوحات أو تراخيص واضحة.
وفي الوقت نفسه، تتزايد مخاوف المواطنين من استخدام بعض الموتوسيكلات في جرائم السرقة وخطف الهواتف والحقائب والاعتداء على المواطنين، مستفيدين من سهولة الحركة وسرعة الهروب والقدرة على الدخول إلى الشوارع والممرات الضيقة.
لكن علينا أن نكون واضحين منذ البداية: المشكلة ليست في الموتوسيكل كوسيلة نقل، وإنما في غياب الانضباط والرقابة على استخدامه.
فالموتوسيكل أصبح وسيلة أساسية يعتمد عليها ملايين المواطنين في أعمالهم وتنقلاتهم، كما يعتمد عليه قطاع واسع من العاملين في توصيل الطلبات، ولذلك فإن الحل ليس في منعه، وإنما في تنظيمه ووضعه تحت رقابة حقيقية ومستدامة.
عندما يتحرك موتوسيكل دون لوحة واضحة، أو يقوده شخص لا يحمل رخصة، أو تكون بياناته غير معلومة، فإن الأمر لا يعود مجرد مخالفة مرورية. فالمركبة غير المنضبطة يمكن أن تصبح وسيلة يستفيد منها المخالف أو المجرم في ارتكاب جريمته ثم الهروب بسرعة من المكان.
وهنا تكمن أهمية أن تكون هوية المركبة وقائدها معلومة وقابلة للتتبع في أي وقت. ولا يعني ذلك بطبيعة الحال أن كل قائد موتوسيكل مخالف أو مجرم، فهذا تعميم غير مقبول، وإنما المطلوب هو وضع الجميع تحت مظلة القانون؛ فالمواطن الملتزم هو أول من يستفيد من وجود رقابة حقيقية، لأنها تحميه من الحوادث وتحميه أيضًا من أن يتم استغلال وسيلة النقل التي يعمل بها في أعمال غير قانونية.
ويبقى الجانب الأكثر خطورة هو حوادث الطرق. فالسرعة الزائدة، والقيادة عكس الاتجاه، والتجاوز الخاطئ، وعدم ارتداء الخوذة، واستخدام الهاتف أثناء القيادة، وقيادة الأطفال أو غير المؤهلين للموتوسيكلات، كلها ممارسات قد تحول لحظة عابرة إلى مأساة تنتهي بفقدان إنسان أو إصابة قد تلازمه طوال حياته.
والأخطر أن ضحية الحادث ليست بالضرورة قائد الموتوسيكل، فقد يكون أحد المشاة أو قائد سيارة أو شخصًا يعبر الطريق في لحظة لم يتوقع فيها أن تأتيه مركبة بهذه السرعة.
ومن هنا فإن التعامل مع المشكلة يجب ألا يكون مجرد حملات مرورية موسمية، وإنما منظومة مستمرة تبدأ من الترخيص والتسجيل، وتمر بالرقابة على الطرق، وتنتهي بتطبيق القانون والتوعية.
والموتوسيكل بطبيعته يتميز بسهولة الحركة والقدرة على الوصول إلى أماكن يصعب على السيارات الوصول إليها، وهذه ميزة مهمة في الاستخدام الطبيعي، لكنها قد يستغلها البعض في ارتكاب جرائم ثم الهروب سريعًا من موقع الجريمة.
ولهذا فإن إحكام منظومة تسجيل وترخيص الموتوسيكلات يمكن أن يمثل عنصرًا مهمًا في الوقاية من الجريمة، ويساعد الأجهزة المختصة على الوصول إلى مرتكبيها بصورة أسرع.
المطلوب ليس التضييق على المواطن الذي يستخدم الموتوسيكل في عمله، وإنما حماية هذا المواطن نفسه وحماية المجتمع من الاستخدام غير القانوني للمركبة.
ومع الانتشار الكبير لخدمات توصيل الطعام والطلبات، أصبح من الضروري أيضًا النظر إلى هذا القطاع بصورة أكثر تنظيمًا. فالمواطن يتعامل يوميًا مع أعداد كبيرة من عمال التوصيل، وقد يصل قائد الموتوسيكل إلى منزل المواطن أو مقر عمله، ولذلك يجب أن تكون بيانات العامل والمركبة والجهة التي يعمل لديها معلومة ومسجلة وفقًا للقانون.
وهذا التنظيم لا يحمي المواطن فقط، وإنما يحمي العامل نفسه أيضًا، ويمنع أن تتحول مهنة شريفة يعتمد عليها آلاف الشباب إلى مساحة يستغلها البعض في أعمال مخالفة للقانون.
وهناك جانب آخر يستحق اهتمامًا أكبر، وهو تداول الموتوسيكلات التي لا تحمل بيانات واضحة أو التي يصعب التحقق من مصدرها وملكيتها. فكلما كانت ملكية المركبة واضحة، ولوحتها مقروءة، وبياناتها مسجلة، أصبح من الصعب استخدامها بعيدًا عن أعين الرقابة.
ولذلك يجب أن تكون هناك مراجعة مستمرة لأوضاع المركبات، مع اتخاذ الإجراءات القانونية تجاه المركبات غير المرخصة أو التي لا تتوافر لها مستندات سليمة، وفي الوقت نفسه إتاحة إجراءات واضحة وميسرة لتوفيق أوضاع من يرغب في الالتزام بالقانون.
وربما يكون السؤال الأهم: لماذا ننتظر وقوع الحادث أو السرقة أو الجريمة حتى نبدأ في البحث عن مرتكبها؟
الوقاية دائمًا أقل تكلفة من علاج النتائج. فإذا كانت هناك مركبات تتحرك في الشوارع دون لوحات واضحة، أو أشخاص يقودونها دون تراخيص، فإن ترك هذه الظاهرة تتسع ثم التعامل معها بعد وقوع الجريمة يعني أننا نتحرك بعد فوات الأوان.
وهنا تظهر أهمية الرقابة الوقائية، من خلال تسجيل جميع الموتوسيكلات، والتأكد من بيانات أصحابها، وضبط المركبات مجهولة المصدر، والتعامل بحسم مع المركبات التي تسير دون لوحات أو بلوحات غير قانونية، مع الاستفادة من كاميرات المراقبة والتكنولوجيا الحديثة في رصد المخالفات وربطها ببيانات المركبة وقائدها.
فالأمن الحقيقي لا يعني فقط أن ننجح في القبض على مرتكب الجريمة بعد وقوعها، وإنما أن نمتلك منظومة تجعل ارتكاب الجريمة أكثر صعوبة، وتجعل الوصول إلى مرتكبها أسرع وأكثر حسمًا.
ولهذا فإن تنظيم الموتوسيكلات ليس إجراءً مروريًا فقط، بل هو جزء من منظومة أوسع لحماية المواطنين.
نحن لا نطالب بمنع الموتوسيكلات، ولا نريد تحميل جميع قائديها مسؤولية جرائم يرتكبها البعض، وإنما نطالب بأن يكون كل موتوسيكل معلوم البيانات، وكل قائد مؤهلًا ومرخصًا، وكل مخالفة واضحة العقوبة.
والمسؤولية هنا لا تقع على أجهزة الدولة وحدها. فقائد الموتوسيكل مسؤول عن حياته وحياة الآخرين، والأسرة مسؤولة عن عدم السماح للأطفال أو غير المؤهلين بقيادة المركبات في الشوارع، والشركات العاملة في مجال التوصيل مسؤولة عن تنظيم عمل سائقيها وفقًا للقانون، والمواطن نفسه مسؤول عن عدم شراء أو التعامل مع مركبات مجهولة المصدر.
وفي المقابل، فإن أجهزة الدولة مطالبة بتوفير رقابة فعالة ومستدامة، وتطبيق القانون بصورة عادلة، واستخدام التكنولوجيا الحديثة، والتعامل مع المخالفات الخطرة بحسم.
ومن الخطأ أن نتعامل مع المشكلة بمنطق منع الموتوسيكلات، لأن هناك أعدادًا كبيرة من المواطنين يعتمدون عليها في العمل والتنقل وتوصيل الطلبات. الحل الحقيقي هو التنظيم الصارم والعادل، من خلال تسجيل كل موتوسيكل، ووضع لوحة واضحة وقابلة للرصد، وربط بيانات المركبة ببيانات مالكها، والتأكد من حصول قائدها على الرخصة اللازمة، وتشديد الرقابة على المركبات التي تسير دون لوحات أو التي تحمل لوحات غير واضحة، مع تطبيق عقوبات رادعة على المخالفات التي تعرض حياة المواطنين للخطر.
كما يجب التوسع في استخدام كاميرات المراقبة والأنظمة الحديثة لرصد المخالفات، إلى جانب حملات مستمرة في المناطق التي تشهد معدلات مرتفعة من الحوادث والسرقات والمخالفات.
ما نحتاجه اليوم ليس حملة مؤقتة تنتهي بعد أيام، وإنما خطة متكاملة ومستمرة لإعادة الانضباط إلى الشارع، تبدأ بحصر وتسجيل المركبات، ومراجعة التراخيص، وضبط غير المرخص منها، وتنظيم قطاع التوصيل، وتشديد العقوبات على المخالفات الخطرة، مع توفير وسائل قانونية وميسرة لتوفيق الأوضاع.
وفي الوقت نفسه، يجب أن تمتد الحملة إلى نشر الوعي، لأن القانون وحده لا يكفي إذا لم يتغير سلوك قائدي المركبات.
فالهدف ليس جمع المخالفات، وإنما حماية الأرواح ومنع الجريمة قبل وقوعها.
في النهاية، القضية ليست قضية موتوسيكلات فقط، ولا قضية مرور فقط، وإنما قضية أمن وسلامة مجتمع.
نحن بحاجة إلى شوارع أكثر انضباطًا، ومركبات يمكن التعرف عليها، وسائقين مؤهلين، ورقابة حقيقية، وتطبيق عادل للقانون.
الموتوسيكل ليس عدوًا للمجتمع، بل وسيلة نقل وعمل مهمة. لكن ترك أي وسيلة نقل خارج إطار الرقابة والترخيص والانضباط يمكن أن يحولها إلى مصدر خطر.
لقد حان الوقت للانتقال من رد الفعل إلى الوقاية، ومن الحملات المؤقتة إلى منظومة رقابة مستمرة.
فلا نريد أن ننتظر وقوع الجريمة حتى نبحث عن الجاني، ولا وقوع الحادث حتى نسأل عن أسبابه.
نريد ببساطة أن نمنع الكارثة قبل وقوعها.
لأن حماية المواطن لا تبدأ بعد سقوط الضحية، وإنما تبدأ منذ اللحظة التي نقرر فيها أن الفوضى ليست قدرًا، وأن تطبيق القانون هو الطريق الأول لحماية الإنسان والشارع والمجتمع.