بقلم الدكتور أحمد أبو العلا
استشاري أمراض الباطنة
أصبح التوكتوك في مصر واحدًا من أكثر الملفات التي تثير الجدل في الشارع المصري؛ فهو من ناحية وسيلة مواصلات يعتمد عليها ملايين المواطنين، ويوفر مصدر رزق لعدد كبير من الأسر، ومن ناحية أخرى تحول في كثير من المناطق إلى عنوان للفوضى المرورية والقيادة العشوائية، وأصبح وجوده غير المنظم صداعًا يوميًا في رأس المواطن.
والحقيقة أن المشكلة ليست في التوكتوك نفسه، وإنما في غياب المنظومة التي تنظم وجوده، وتحدد من يقوده، وأين يسير، وكيف يعمل، ومن يتحمل المسؤولية عندما تقع مخالفة أو حادث.
وتتداول تقديرات غير رسمية أن عدد التكاتك في مصر يصل إلى نحو ستة ملايين مركبة، في حين أن أعداد التكاتك المرخصة لا تزال محدودة للغاية مقارنة بهذا الرقم. ومهما اختلفت التقديرات حول العدد الحقيقي، فإن المؤكد أننا أمام ملايين المركبات التي أصبحت بالفعل جزءًا من الحياة اليومية للمصريين، وهو واقع لا يمكن تجاهله أو التعامل معه وكأنه ظاهرة مؤقتة.
وهنا يجب أن نطرح السؤال الأهم: لماذا لا نحول هذه المشكلة إلى فرصة لتنظيم قطاع موجود بالفعل، بدلاً من تركه خارج المنظومة الرسمية؟
إن ترخيص التوكتوك لا يعني مجرد وضع لوحة معدنية على المركبة أو تحصيل رسوم الترخيص، وإنما يعني أن تصبح المركبة معروفة الهوية، وأن يكون صاحبها معروفًا، وأن يكون قائدها حاملاً لرخصة قيادة، وأن تكون هناك بيانات رسمية يمكن الرجوع إليها عند وقوع حادث أو ارتكاب مخالفة.
والتقنين يمكن أن يبدأ بحصر حقيقي لأعداد التكاتك الموجودة على مستوى الجمهورية، ثم فتح باب لتوفيق أوضاعها ومنح أصحابها مهلة زمنية واضحة للترخيص، مع وضع حوافز لمن يبادرون إلى تقنين أوضاعهم، ثم تطبيق القانون بصورة أكثر حسمًا على من يرفضون الالتزام بعد انتهاء المهلة.
وبذلك لا تتحول عملية الترخيص إلى حملة عقاب، وإنما إلى مشروع قومي لتنظيم واقع موجود بالفعل.
ومن الناحية الاقتصادية، يمكن أن يمثل هذا الملف موردًا إضافيًا لخزانة الدولة من خلال رسوم الترخيص والفحص والتجديد والتأمين وغيرها من الإجراءات الرسمية، فضلًا عن إدخال جانب كبير من هذا النشاط إلى الاقتصاد الرسمي. وعندما نتحدث عن ملايين المركبات، فإننا نتحدث عن قاعدة اقتصادية كبيرة يمكن تنظيمها والاستفادة منها، بدلاً من تركها تعمل بعيدًا عن المنظومة الرسمية.
لكن العائد الحقيقي لا يجب أن يُقاس بالمال فقط، فهناك عائد أمني واجتماعي لا يقل أهمية.
عندما تكون كل مركبة مرخصة وتحمل رقمًا واضحًا، ويكون لكل سائق رخصة وبيانات رسمية، يصبح من الأسهل تحديد المسؤولية عند وقوع مخالفة أو حادث أو جريمة. وهذا لا يعني أن الترخيص وحده سيقضي على الجرائم، لكنه يمنح أجهزة إنفاذ القانون وسيلة أفضل للتتبع والتحقيق، ويقلل من مساحة الحركة المجهولة التي قد يستفيد منها بعض الخارجين على القانون.
كما أن تقنين التوكتوك يمكن أن يساهم في مواجهة ظاهرة خطيرة أصبحت تتكرر في بعض المناطق، وهي قيادة الأطفال لهذه المركبات. كيف يمكن أن نسمح لطفل لم يبلغ السن القانونية للقيادة بأن يتحرك بمركبة وسط السيارات والمواطنين؟
إن الأمر لا يمثل مخالفة مرورية فقط، وإنما يمثل خطرًا حقيقيًا على حياة الطفل وعلى حياة الآخرين. والطفل الذي يجلس خلف عجلة القيادة لا يملك الخبرة ولا القدرة الكاملة على تقدير المخاطر والتعامل مع المواقف المفاجئة.
وهنا يجب أن تكون المسؤولية مشتركة بين الأسرة والدولة والمجتمع. فالظروف الاقتصادية قد تكون صعبة، ولكن الحاجة إلى الدخل لا يمكن أن تكون مبررًا لتعريض طفل للخطر. مكان الطفل الطبيعي هو المدرسة، وليس خلف عجلة قيادة مركبة في شارع مزدحم.
ومن واقع عملي كطبيب، لا أستطيع أن أفصل بين الفوضى المرورية وصحة الإنسان. فالحوادث الناتجة عن القيادة العشوائية قد تؤدي إلى إصابات خطيرة وإعاقات، وقد تترك آثارًا نفسية واجتماعية تمتد إلى أسر كاملة. كما أن الضوضاء المستمرة، والتوتر، والزحام، والمناورات المفاجئة، والخوف من الحوادث، كلها عوامل تجعل الطريق مصدرًا يوميًا للضغط النفسي بدلًا من أن يكون مجرد وسيلة للانتقال.
وفي الوقت نفسه، يجب أن نكون منصفين مع آلاف السائقين الذين يعتمدون على التوكتوك كمصدر رزق لهم ولأسرهم. نحن لا نريد أن نحارب الإنسان الذي يبحث عن لقمة عيشه، وإنما نريد أن نحارب الفوضى والمخالفة والسلوك الذي يعرض حياة الآخرين للخطر.
ولهذا فإن الحل لا يجب أن يكون في إلغاء التوكتوك بصورة عشوائية، لأن هناك مناطق وقطاعات واسعة من المواطنين تعتمد عليه، وإنما في نقله من حالة الفوضى إلى حالة النظام.
نحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ بالحصر، ثم الترخيص، والفحص الفني، والتأمين، وتحديد سن قانونية واضحة للقيادة، ومنع الأطفال نهائيًا من القيادة، وإلزام السائق برخصة قيادة، وتحديد أماكن وخطوط سير مناسبة، وتنظيم أماكن الانتظار، وربط المركبة وقائدها بقاعدة بيانات واضحة، وتطبيق العقوبات على المخالفين.
ويمكن أن تمتد عملية التنظيم إلى تطوير المركبة نفسها، من خلال تشجيع استبدال المركبات القديمة وغير الآمنة بمركبات أكثر أمانًا وأقل ضررًا على البيئة، مع الحفاظ على مصدر رزق السائقين.
إننا أمام فرصة حقيقية لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة وهذا القطاع. فبدلاً من أن تكون الدولة في مواجهة مستمرة مع ملايين التكاتك، يمكن أن تصبح هذه المركبات جزءًا من منظومة نقل منظمة، لها قواعدها ومسؤولياتها وحقوقها.
لسنا أمام مشكلة اسمها التوكتوك، وإنما أمام واقع اسمه ملايين المركبات التي أصبحت جزءًا من حياة المصريين. والواقع لا يُدار بالإنكار، ولا تُحل مشكلاته بالمطاردة، وإنما بالحصر والتنظيم والتقنين.
فإذا كان لدينا ملايين التكاتك، فلماذا لا يكون لدينا ملايين المركبات المرخصة، وسائقون معروفون، وبيانات واضحة، ومورد اقتصادي تستفيد منه الدولة، وشوارع أكثر أمنًا وانضباطًا؟
إن التقنين ليس عبئًا على الدولة، بل يمكن أن يكون بداية حقيقية للحل؛ فبدل أن يظل التوكتوك خارج المنظومة، يمكن أن يصبح جزءًا منها، وبدل أن يكون مصدرًا للفوضى، يمكن أن يتحول إلى وسيلة نقل منظمة، وبدل أن يمثل عبئًا على الدولة، يمكن أن يتحول إلى مورد اقتصادي يساهم في دعم خزانتها.
لا نحتاج إلى حرب على التوكتوك، وإنما نحتاج إلى إنهاء حالة التوكتوك بلا هوية وبلا قانون.
المطلوب ليس أن نمنع التوكتوك من الوجود، وإنما أن نمنع الفوضى من أن تحكم وجوده.
فحياة الإنسان أغلى من أي رحلة، وأمن المواطن أهم من أي مكسب سريع، وتنظيم الواقع أفضل كثيرًا من تجاهله.