لم يعد التعاون بين الصين وأفريقيا يقتصر على مجالات الاقتصاد والتجارة والاستثمار، بل أصبح الإعلام أحد المسارات المتنامية في هذه العلاقة، بما يمتلكه من قدرة على تقريب الشعوب، وتبادل الخبرات، وتقديم صورة أكثر تنوعًا عن المجتمعات والثقافات المختلفة.
ويأتي انعقاد المنتدى السابع للتعاون الإعلامي بين الصين وأفريقيا في بكين ليؤكد هذا التحول. فمشاركة نحو 400 ممثل من الصين و45 دولة أفريقية، بينهم 33 ضيفًا على المستوى الوزاري، تعكس اتساع دائرة الاهتمام بهذا المجال، كما تكشف عن رغبة مشتركة في الانتقال بالتعاون الإعلامي من مجرد تبادل البرامج والخبرات إلى بناء مسارات أكثر استدامة للإنتاج والتواصل.
ولعل أبرز ما يلفت الانتباه في أعمال المنتدى هو اتساع مفهوم التعاون الإعلامي نفسه. فلم تعد الشراكة تدور فقط حول الأخبار والإذاعة والتلفزيون، وإنما أصبحت تشمل إنتاج المحتوى، والإنتاج المشترك، والترجمة المتبادلة، والبث المشترك، والدراما القصيرة، إلى جانب استخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة الإعلام.
وهذا التطور يعكس حقيقة أساسية: الإعلام يتغير، وبالتالي فإن أدوات التعاون الإعلامي يجب أن تتغير معه.
فالجمهور، وخاصة الشباب، لم يعد يعتمد على الوسائل التقليدية وحدها للحصول على الأخبار والمعلومات والترفيه. وأصبحت المنصات الرقمية ومقاطع الفيديو القصيرة والمحتوى العابر للحدود جزءًا أساسيًا من المشهد الإعلامي الجديد. ومن ثم، فإن التعاون الصيني الأفريقي في هذه المجالات يمكن أن يفتح آفاقًا جديدة أمام صناعات الإعلام في الجانبين.
وتكتسب الدراما القصيرة أهمية خاصة في هذا السياق، لأنها تجمع بين سرعة الإنتاج وسهولة التوزيع والقدرة على الوصول إلى جمهور واسع عبر المنصات الرقمية.
ويمكن للإنتاج المشترك في هذا المجال أن يتيح للصناع الصينيين والأفارقة فرصة للتعرف بصورة أعمق على قصص بعضهم البعض، وتقديم شخصيات وتجارب إنسانية تتجاوز الصور النمطية التقليدية.
لكن قيمة التعاون الإعلامي لا تقاس فقط بعدد الأعمال المنتجة، وإنما بقدرته على خلق تواصل حقيقي بين الشعوب.
فالإعلام يستطيع أن يكون جسرًا للتعريف بالثقافات المختلفة، وأن يقدم للمشاهد الصيني صورة أكثر قربًا من الحياة اليومية في أفريقيا، كما يمكنه أن يمنح الجمهور الأفريقي فرصة أكبر للتعرف على المجتمع والثقافة والتجربة الصينية من خلال أعمال ومواد إعلامية متنوعة.
ومن هنا تأتي أهمية الترجمة والبث المتبادل. فالعمل الإعلامي لا يستطيع الوصول إلى جمهور جديد إذا بقي محصورًا داخل لغته وثقافته. وكلما توسعت حركة الترجمة والتبادل، ازدادت فرص اكتشاف الجمهور لقصص وتجارب لم يكن يعرفها من قبل.
واللافت كذلك أن المنتدى وضع الذكاء الاصطناعي ضمن أولويات النقاش. وهذا أمر طبيعي في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع الإعلام. فالذكاء الاصطناعي أصبح يدخل في مراحل متعددة من صناعة المحتوى، من البحث والتحليل إلى الإنتاج والترجمة والتوزيع.
غير أن الاستفادة من هذه التكنولوجيا تحتاج إلى وعي بمسؤولياتها أيضًا. فالتكنولوجيا يمكن أن تجعل الإنتاج الإعلامي أسرع وأكثر انتشارًا، لكنها تطرح في الوقت نفسه أسئلة تتعلق بالمصداقية وحقوق الملكية الفكرية وحماية المحتوى ومواجهة التضليل.
ولذلك فإن التعاون في مجال الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يقتصر على تبادل الأدوات التقنية، بل يجب أن يشمل أيضًا تبادل الخبرات حول الاستخدام المسؤول لهذه التكنولوجيا، بما يحافظ على المهنية الإعلامية ويحترم الخصوصية والتنوع الثقافي.
ومن أهم ما يمكن أن ينتج عن التعاون الصيني الأفريقي في الإعلام أيضًا إتاحة مساحة أكبر للشباب. فالأجيال الجديدة هي الأكثر قدرة على التعامل مع أدوات الإعلام الرقمي، وهي في الوقت نفسه الأكثر استعدادًا لاكتشاف ثقافات وتجارب مختلفة.
ولهذا فإن مبادرات الإبداع المشترك بين الشباب الصيني والأفريقي يمكن أن تتحول إلى أحد أهم مسارات التعاون خلال السنوات المقبلة، لأنها لا تكتفي بإنتاج محتوى جديد، وإنما تبني علاقات مهنية وإنسانية بين جيل جديد من الإعلاميين وصناع الأفلام والمحتوى.
كما أن الإعلان عن 80 نتيجة للتعاون في مجالات الإذاعة والتلفزيون والسينما والوسائط السمعية البصرية يمثل خطوة مهمة، لكن الأهم هو البناء على هذه النتائج وتحويلها إلى أعمال تصل إلى الجمهور وتستمر بعد انتهاء المنتدى.
فالمنتديات والمؤتمرات تكتسب قيمتها الحقيقية عندما تتحول المناقشات إلى مشروعات، والمشروعات إلى أعمال، والأعمال إلى علاقات مستمرة بين المؤسسات والأفراد.
وفي هذا الإطار، أرى أن المستقبل يحمل فرصًا واسعة للتعاون بين المؤسسات الإعلامية الصينية والأفريقية، سواء في الإنتاج المشترك أو التدريب أو تبادل الخبرات أو الترجمة أو تطوير المنصات الرقمية.
كما أن التعاون يمكن أن يمتد إلى السينما والدراما والوثائقيات وبرامج الأطفال والمحتوى الثقافي، وهي مجالات تستطيع أن تقدم صورة أكثر عمقًا عن العلاقات بين الشعوب بعيدًا عن اللغة السياسية المباشرة.
إن الصين وأفريقيا تمتلكان تجارب وثقافات وقصصًا إنسانية شديدة التنوع، وربط هذه القصص ببعضها البعض يمكن أن يصنع محتوى يتجاوز حدود التعاون الرسمي إلى تواصل إنساني حقيقي.
وفي النهاية، فإن الإعلام لا يكتفي بنقل الأحداث؛ فهو يساهم أيضًا في تشكيل فهم الناس للعالم من حولهم. ولذلك فإن تعزيز التعاون الإعلامي بين الصين وأفريقيا يمكن أن يمثل استثمارًا طويل الأجل في المعرفة والتفاهم والتواصل بين الشعوب.
والتحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة هو أن يتحول هذا التعاون من مناسبات وفعاليات إلى شراكات دائمة تنتج محتوى مشتركًا، وتدعم المواهب الشابة، وتفتح المجال أمام قصص جديدة تُروى من داخل المجتمعات نفسها.
فحين تتبادل الشعوب قصصها، فإنها لا تتبادل المعلومات فقط، بل تتبادل أيضًا تجاربها وذاكرتها وثقافتها ورؤيتها للمستقبل. وربما يكون هذا هو الدور الأهم الذي يستطيع الإعلام أن يؤديه في بناء جسور جديدة بين الصين وأفريقيا.