السيوف ليست لغة الأوطان

بقلم: الدكتور أحمد أبو العلا
استشاري أمراض الباطنة

لم يكن أحد يتخيل أن يأتي يوم تصبح فيه السيوف والسنج والأسلحة البيضاء جزءًا من مشهد يتكرر في شوارعنا، وأن تتحول خلافات كان يمكن أن تُحل بكلمة أو باحتكام إلى القانون إلى معارك دامية تنتهي ببتر يد، أو تشويه وجه، أو عاهة مستديمة، وربما فقدان حياة إنسان في لحظة تهور لا تستغرق سوى دقائق، بينما تظل آثارها تطارد الضحية وأسرته مدى الحياة.

لقد أصبحنا نستيقظ بين الحين والآخر على أخبار وصور مؤلمة لشباب فقدوا أيديهم أو أصيبوا بإصابات بالغة نتيجة مشاجرات استخدمت فيها السيوف والأسلحة البيضاء، وكأن البعض قرر أن يستبدل لغة العقل والحوار بمنطق القوة، وأن يفرض رأيه بحد السلاح لا بحكم القانون. والمشهد الأكثر قسوة أن الضحية هو من يدفع الثمن الأكبر، يفقد عضوًا من جسده أو قدرته على العمل، بينما يظل الألم رفيق أسرته التي تجد نفسها فجأة أمام مأساة لم تكن تتوقعها.

ومن واقع عملي كطبيب، فإن هذه الإصابات لا تنتهي عند باب غرفة العمليات، بل تبدأ بعدها رحلة طويلة من المعاناة. فالمصاب ببتر أحد أطرافه يحتاج إلى جراحات معقدة، ونقل دم، ورعاية مركزة، ثم علاج طبيعي وتأهيل نفسي قد يستمر شهورًا أو سنوات، وقد لا يعود إلى حياته الطبيعية أبدًا. إنها خسارة صحية وإنسانية واقتصادية في آن واحد، لا يتحملها المصاب وحده، بل تتحملها أسرته والمجتمع كله.

ولا يمكن أن ننظر إلى هذه الجرائم باعتبارها حوادث فردية، لأنها أصبحت تمثل ظاهرة تستوجب وقفة حقيقية من الجميع. فكل مشاجرة تنتهي بسلاح أبيض تعني أسرة مكلومة، ومستقبلًا ضائعًا، وتكلفة علاج وتأهيل كان يمكن تجنبها لو انتصرت ثقافة القانون على ثقافة العنف.

ويبقى السؤال الذي يردده المواطن البسيط كل يوم: كيف وصل الأمر إلى أن يحمل بعض الخارجين على القانون السيوف في الشوارع دون خوف؟ وكيف أصبحت هذه الأدوات وسيلة لترويع المواطنين وفرض النفوذ؟ ويتطلع الناس إلى استمرار وتعزيز الجهود الأمنية والقانونية لضبط حائزي الأسلحة البيضاء المستخدمة في الاعتداءات، وملاحقة كل من يروع الآمنين، والتعامل الحاسم مع العناصر الإجرامية التي تعتاد ممارسة العنف، في إطار القانون وسيادته.

ولا تقل أهمية عن ذلك مسؤولية الأسرة، فالبيت هو المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الأبناء احترام الآخرين، كما أن المدرسة والجامعة ودور العبادة ووسائل الإعلام مطالبة جميعها بأن تغرس قيم الحوار والتسامح واحترام القانون، لا أن تسمح بانتشار ثقافة تمجد العنف أو تصور البلطجة على أنها بطولة.

ومن الضروري أيضًا تشديد الرقابة على تداول الأدوات الحادة التي تُستخدم في الاعتداءات، وتطبيق العقوبات التي يقررها القانون على كل من يحمل سلاحًا بقصد ترويع المواطنين أو الاعتداء عليهم، فالمجتمع لا يمكن أن يشعر بالأمان إذا اعتقد الخارج على القانون أنه قادر على الإفلات من العقاب.

كما أن الإعلان عن الأحكام القضائية الصادرة بحق مرتكبي جرائم البلطجة والعنف يسهم في تحقيق الردع العام، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن الدولة لا تتهاون مع من يهدد أمن المجتمع أو يعتدي على حياة المواطنين وسلامتهم.

لقد خاضت الدولة المصرية خلال السنوات الماضية معارك كبيرة لترسيخ الأمن والاستقرار، ودفعت ثمنًا غاليًا من أجل أن يعيش المواطن مطمئنًا. ومن ثم فإن الحفاظ على هذا الإنجاز مسؤولية جماعية، تبدأ من احترام القانون، وتمر برفض المجتمع لكل أشكال العنف، وتنتهي بتطبيق العدالة على كل من تسول له نفسه أن يحول الشارع إلى ساحة للدماء.

إننا لا نطالب إلا بحق أصيل لكل إنسان، أن يخرج إلى عمله، أو يذهب إلى جامعته، أو يعود إلى منزله، وهو واثق أن القانون يحميه، وأن أمنه ليس محل مساومة. فالأوطان لا تُبنى بالخوف، ولا تستقر بالفوضى، وإنما تنهض حين يشعر المواطن أن الدولة حاضرة بقوة القانون وعدالته، وأن هيبتها فوق الجميع.

إن مصر كانت وستظل دولة المؤسسات والقانون، وستبقى قادرة على حماية أبنائها عندما تتكاتف جهود الجميع، وتترسخ ثقافة احترام النظام، ويوقن كل من يحمل سلاحًا لترويع الناس أن المجتمع بأسره يقف في مواجهته، وأن العدالة ستصل إليه مهما طال الزمن.

ولعل الرسالة التي يجب أن تصل إلى الجميع اليوم قبل الغد هي أن السيوف لا تبني وطنًا، والبلطجة لا تصنع قوة، والعنف لا يحقق احترامًا. وحدها العدالة، وسيادة القانون، واحترام الإنسان، هي التي تصنع مجتمعًا آمنًا يستحق أن نورثه لأبنائنا، حتى لا نستيقظ كل صباح على خبر يدٍ بُترت، أو أسرة فقدت عائلها، أو أم تبكي ابنًا كان يمكن أن يعود إلى منزله سالمًا لو انتصر العقل على السلاح، ولو كانت كلمة القانون هي الكلمة العليا دائمًا.