الثلاثاء 14 أبريل 2026 11:25:55
في ظل تزايد المخاطر المحيطة بالأطفال، لم يعد الحديث عن التربية الجنسية رفاهية أو موضوعًا مؤجلًا، بل أصبح ضرورة تربوية مُلحة لحمايتهم وبناء وعيهم منذ الصغر، فبين مفاهيم مغلوطة تربط هذا النوع من التوعية بالجرأة الزائدة، وواقع يفرض نفسه مع تنامي حوادث الانتهاك والتحرش، تبرز الحاجة إلى طرح علمي وتربوي يوضح أن التربية الجنسية ليست إلا وسيلة آمنة لتعريف الطفل بجسده وحدوده، وتمكينه من الدفاع عن نفسه بثقة ووعي، وفي هذا السياق، يؤكد المتخصصون أن البداية المبكرة والتدرج في تقديم المعلومات وفقًا لعمر الطفل يمثلان حجر الأساس في تنشئة جيل أكثر أمانًا وقدرة على مواجهة التحديات.
درع حماية
أكدت الدكتورة منى رضا، أستاذ الطب النفسي بكلية الطب جامعة عين شمس، أن التربية الجنسية تمثل عملية تربوية تدريجية يتعلم من خلالها الطفل فهم ذاته وحدود جسده، إلى جانب التعرف على الأسماء الحقيقية لأعضاء جسمه، والتغيرات التي قد تطرأ عليه لاحقًا، وذلك من خلال تزويده بالمعلومات الصحيحة بطريقة تتناسب مع مرحلته العمرية.
وأوضحت أن الحديث مع الأطفال حول هذه الموضوعات لا يشجعهم على الممارسة أو الاستكشاف الجنسي المبكر كما يعتقد البعض، بل على العكس، يسهم بشكل مباشر في حمايتهم من أي انتهاك أو اعتداء جنسي.
تنشئة صحية
وأشارت إلى أن للتربية الجنسية أهمية كبيرة في تنشئة الطفل، من أبرزها:
تعزيز تقبل الجسد والثقة بالنفس: حيث يصبح الطفل الذي يتلقى تربية جنسية سليمة أكثر قدرة، عند البلوغ، على تقبل جسده والتغيرات التي تطرأ عليه، والتأقلم معها بشكل طبيعي.
حماية الطفل من التحرش: فالطفل الواعي بجسده يدرك كيفية حمايته، ويعرف كيف يطلب المساعدة إذا تعرض لموقف غير مناسب، كما يكون قادرًا على التعبير عما حدث بشكل واضح.
التهيئة لمرحلة البلوغ: إذ تقل مشاعر القلق والخوف لدى الطفل عند حدوث التغيرات الفسيولوجية الطبيعية نتيجة فهمه المسبق لها.
حديث مختلف
وأكدت د. منى أن أسلوب الحديث مع الطفل يختلف باختلاف مرحلته العمرية، وهو ما يتطلب وعيًا من الوالدين بطريقة الطرح المناسبة لكل سن.
أولًا: من عمر 3 - 6 سنوات
وصفت هذه المرحلة بأنها مرحلة الاكتشاف والفضول، حيث يبدأ الطفل في التساؤل عن جنسه، والاختلاف بينه وبين والديه، وطبيعة البشر، معتبرة أنها مرحلة ذهبية للتعلم والمعرفة، وشددت على ضرورة اتباع عدد من الأساليب في التعامل مع الطفل خلال هذه المرحلة، منها تعويده على الاستئذان باعتباره أساسًا لفهم الحدود الشخصية، عدم تجاهل أسئلته، بل الإجابة عنها بطريقة بسيطة وصحيحة، استخدام المسميات الحقيقية لأعضاء الجسم، الاستماع إليه والتحاور معه بهدوء.
ثانيًا: من عمر 7 - 10 سنوات
وأوضحت أن هذه المرحلة تتسم بالهدوء النسبي، خاصة إذا تم تأسيس الطفل بشكل صحيح في السنوات السابقة، حيث يستمر في اكتشاف ذاته وفهم العلاقات من حوله، مع طرح أسئلة أكثر عمقًا، وهو أمر طبيعي، مضيفة أن التعامل مع الطفل في هذه المرحلة يتطلب بناء علاقة قائمة على الصداقة والثقة بينه وبين الوالدين، ليشعر بالأمان عند طلب المساعدة، تعليمه حدود الآخرين، وما يمكن أو لا يمكن رؤيته من جسده، تدريبه على كيفية الدفاع عن نفسه، مثل التعبير عن الرفض أو الصراخ عند التعرض لموقف غير مريح، بالإضافة إلى توضيح طبيعة العلاقة بينه وبين الجنس الآخر بشكل مناسب لعمره.
ثالثًا: قبل مرحلة البلوغ
تُعد هذه المرحلة من أهم المراحل التي تتطلب توعية مباشرة وواضحة لذا تنصح د. منى أن نشرح للطفل مفهوم البلوغ والتغيرات الجسدية والنفسية المصاحبة له، بالنسبة للذكور، نوضّح أسباب الاحتلام (الجنابة) بأسلوب مهذب، وبالنسبة للإناث، نعرّفها بقرب مرحلة البلوغ، ونشرح لها الحيض من حيث طبيعته ومدته وكيفية التعامل معه، ثم نقدّم إجابة عامة ومبسطة عن العلاقة بين الرجل والمرأة في إطار الزواج، وأنها تؤدي إلى إنجاب الأطفال.
بالإضافة إلى تعزيز قيمة التستر وغضّ البصر، والاستئذان قبل دخول الأماكن الخاصة، وتوجيهه إلى أهمية ضبط السلوك والابتعاد عن أي محتوى أو أحاديث غير لائقة، كذلك التأكيد على ضرورة إبلاغك فور تعرضه لأي موقف مقلق أو غير مريح.
واختتمت أستاذة الطب النفسي تصريحاتها بالتأكيد على أن التربية الجنسية ليست رفاهية، بل ضرورة لحماية الأطفال وبناء شخصيات واعية قادرة على التعامل مع التغيرات الحياتية بثقة وأمان.
السلوك اليومي
ومن جهته، أكد الدكتور الشربيني محمد، طبيب الأطفال، أن هناك مجموعة من القواعد العامة التي إذا التزمت بها الأم تُحدث فارقًا كبيرًا في وعي الطفل وسلوكه، مشددًا على أهمية تأهيل الأبناء منذ الصغر للتعامل بشكل آمن مع العالم الخارجي.
وأوضح أن من أبرز هذه القواعد أن تكون الأم هي المسئولة الوحيدة عن تغيير ملابس الطفل منذ ولادته، على أن يتم ذلك في مكان مغلق حتى في حال عدم وجود أحد، مع منع تغيير ملابس الطفل أمام الآخرين أو في أماكن مفتوحة.
وأضاف أنه في حال غياب الأم، تكون الجدة هي المسئولة، مع مراعاة ترتيب الأعمار من الأكبر إلى الأصغر، والالتزام أيضًا بخصوصية المكان المغلق أثناء التغيير.
وتابع أن الطفل، مع بداية مرحلة الإدراك، يجب تعليمه الاعتماد على نفسه تدريجيًا في تنظيف جسده، خاصة منطقة العورة، مع تقليل تدخل الأم المباشر في هذه المنطقة، مؤكدًا أهمية أن تتم مرحلة التدريب على استخدام الحمام داخل دورة المياه مع إغلاق الباب، وليس في أماكن مفتوحة مثل غرف المعيشة.
كما شدد على ضرورة تعويد الطفل على مفاهيم الخصوصية، مثل عدم كشف جسده أمام الآخرين، وتعليمه إغلاق الباب أثناء تغيير الملابس أو الاستحمام، إلى جانب منع التقبيل من الفم بشكل قاطع، والاكتفاء بتقبيل الوالدين من الخد، وباقي الأشخاص من اليد أو الجبهة.
ونبه د. الشربيني إلى عدم السماح للطفل بالجلوس في أحضان الآخرين، وإذا حدث ذلك يكون بطريقة جانبية وليس مواجهة مباشرة، حفاظًا على سلامته.
مؤكداً على أهمية توعية الطفل منذ بدء الكلام بأن المنطقة من السرة إلى الركبة منطقة خاصة به، لا يجوز لأي شخص رؤيتها أو لمسها، بما في ذلك الوالدان، باستثناء الطبيب وفي وجودهما عند الضرورة، مع تعليمه رفض أي محاولة للمس هذه المنطقة بالصوت العالي والصراخ، وإبلاغ شخص بالغ موثوق به فورًا.
تعليمات خارج البيت
وأشار إلى ضرورة تنظيم التعامل داخل الحضانات، بحيث تكون هناك مشرفة واحدة مسئولة عن مساعدة الطفل في دخول الحمام أو تغيير ملابسه، مع التأكيد على إدارة المؤسسة بعدم السماح للأطفال بدخول الحمام معًا أو تغيير الملابس أمام بعضهم البعض.
وأضاف طبيب الأطفال أنه يجب منع استحمام الإخوة معًا دون ارتداء ملابس مناسبة، حتى لو كانوا من نفس النوع، وكذلك عدم ترك الطفل في حوض الاستحمام دون ملابس في حال دخول وخروج الوالدين عليه.
كما شدد على عدم إجبار الطفل على تقبيل الآخرين أو السماح لهم بتقبيله رغمًا عنه، مؤكدًا أن التحية تكون بالمصافحة فقط.
وأشار إلى أهمية الفصل في النوم، بحيث يكون لكل طفل سرير مستقل منذ الصغر، وعدم نوم الأطفال بجوار بعضهم البعض، حتى وإن كانوا من نفس النوع، مع مراعاة تخصيص غطاء منفصل لكل طفل في حال الاضطرار للنوم في نفس السرير.
خطورة الطاعة العمياء
واختتم د. الشربيني حديثه بالتأكيد على أن أخطر ما يمكن أن يتعرض له الطفل هو التربية القائمة على الطاعة العمياء والقمع، حيث يؤدي ذلك إلى فقدان الطفل قدرته على الرفض والدفاع عن نفسه، مما يجعله أكثر عرضة لأي اعتداء دون أن يتمكن من الشكوى، داعيًا إلى منح الأطفال مساحة للتعبير عن آرائهم، والشعور بالأمان والثقة في الوالدين، بما يعزز قدرتهم على حماية أنفسهم وفهم حقوقهم.





