أكد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء، أن القضية الأساسية في تكليف خريجي الكليات الطبية لا تتمثل في تعيين جميع الخريجين، وإنما في تحديد احتياجات المؤسسات الصحية الفعلية من الكوادر الطبية، ومدى توافر فرص عمل تتناسب مع تخصصاتهم ومؤهلاتهم، مشيرًا إلى أن الحكومة بدأت اتخاذ إجراءات لإعادة توزيع الطلاب بين التخصصات الطبية وفقًا لاحتياجات سوق العمل.
خلال زيارته لمحافظة السويس، حرص الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، على اللقاء مع عدد من طلاب جامعة السويس، والاستماع إلى مداخلاتهم وآرائهم، والإجابة عن أسئلتهم في حوار ودي تناول مختلف الموضوعات التي تهم شباب الجامعات، وما يشغلهم من قضايا تتعلق بمستقبلهم الدراسي والمهني.
وجاء ذلك في إطار حوار مفتوح مع الطلاب حول عدد من القضايا، من بينها مستقبل خريجي الكليات الطبية، وفرص العمل المتاحة أمامهم، ومدى ارتباط التعليم الجامعي باحتياجات سوق العمل.
رئيس الوزراء يوضح حقيقة تكليف خريجي الكليات الطبية
وردًا على سؤال إحدى الطالبات بكلية طب الأسنان بشأن مستقبل خريجي الكلية، وما يساورها وزملاءها من قلق بشأن مستقبلهم المهني بعد التخرج، أكد رئيس الوزراء أن الدولة المصرية اعتادت خلال فترات سابقة تكليف خريجي الكليات الطبية، ومن بينها كليات طب الأسنان والصيدلة، بالعمل في الجهات الحكومية، دون النظر بصورة كافية إلى مدى الاحتياج الفعلي لهذه الأعداد داخل المؤسسات الصحية.
وأوضح الدكتور مصطفى مدبولي أن القضية الأساسية لا تتمثل في مجرد تكليف جميع الخريجين، وإنما في تحديد مدى احتياج الحكومة بالفعل إلى تشغيل هذه الأعداد داخل منشآتها الصحية، ومدى توافر فرص عمل حقيقية تتناسب مع تخصصاتهم ومؤهلاتهم العلمية.
وأشار رئيس الوزراء إلى أنه لاحظ، خلال عدد من الزيارات الميدانية للمستشفيات والمنشآت الصحية، وجود أعداد كبيرة من الأطباء والصيادلة في بعض أماكن العمل، بما يفوق الاحتياجات الفعلية لهذه المنشآت.
واستشهد بما رصده خلال زياراته لبعض المستشفيات، موضحًا أنه كان يجد أحيانًا ما يتراوح بين 20 و25 طبيب أسنان في مكان لا يتوافر به سوى كرسي واحد لعلاج الأسنان، وهو ما يعكس وجود أعداد من الكوادر الطبية تزيد بصورة كبيرة على الإمكانات المتاحة وحجم العمل الفعلي.
وأضاف الدكتور مصطفى مدبولي أنه رصد كذلك وجود نحو 20 صيدليًا داخل بعض المنشآت الصحية، في حين أن الصيدلية لا تحتاج في الأساس سوى إلى اثنين أو ثلاثة من الصيادلة، مشيرًا إلى أن وجود هذه الأعداد كان يرجع إلى الالتزام بتكليف الخريجين، دون ارتباط ذلك بالاحتياجات الحقيقية لأماكن العمل.
ضرورة تغيير ثقافة العمل الحكومي
ودعا الدكتور مصطفى مدبولي الشباب إلى التفكير بصورة أكثر شمولًا في مستقبلهم المهني، وعدم قصر طموحاتهم على الحصول على وظيفة حكومية، موضحًا أن ثقافة مجتمعية ترسخت على مدار سنوات طويلة، اعتبرت التعيين في الحكومة ضمانًا أساسيًا للاستقرار الوظيفي، بغض النظر عن طبيعة العمل أو مدى الاستفادة من المؤهلات العلمية.
وأوضح رئيس الوزراء أن بعض الخريجين يسعون في المقام الأول إلى تأمين مكان داخل الجهاز الحكومي، ثم يتجهون بعد ذلك إلى البحث عن فرص عمل أخرى توفر لهم دخلًا أو مستقبلًا مهنيًا أفضل، سواء في القطاع الخاص أو من خلال إنشاء مشروعات خاصة بهم، أو حتى الانتقال للعمل خارج البلاد.
وأكد أن البحث عن فرص عمل أفضل، سواء داخل مصر أو خارجها، أمر طبيعي، مشيرًا إلى أهمية أن ينظر الشباب إلى سوق العمل باعتباره أوسع من نطاق الوظائف الحكومية، وأن يستثمروا مهاراتهم وقدراتهم العلمية في المجالات التي تتيح لهم فرصًا حقيقية للتطور والنجاح.
وشدد الدكتور مصطفى مدبولي على ضرورة أن يراجع كل شاب أسباب اختياره لتخصصه الجامعي، وأن يحدد ما إذا كان اختياره نابعًا من رغبته الحقيقية في دراسة هذا المجال والعمل فيه، أم لمجرد ضمان الحصول على وظيفة حكومية بعد التخرج.
وأوضح أنه من يختار دراسة طب الأسنان، على سبيل المثال، ينبغي أن يكون هدفه ممارسة المهنة والتفوق فيها، وتنمية قدراته ومهاراته، والبحث عن الفرص المتاحة أمامه داخل مصر أو خارجها، وفي أماكن عمل مختلفة، دون الاقتصار على الفرص التي توفرها الحكومة.
فرص متعددة أمام خريجي طب الأسنان
وأشار رئيس الوزراء إلى أن قطاع طب الأسنان يشهد احتياجًا كبيرًا إلى الخدمات التي يقدمها، ليس فقط في المستشفيات الحكومية، وإنما في مختلف أنحاء الجمهورية، وهو ما يتيح فرصًا مهنية متعددة للخريجين، شريطة امتلاكهم المهارات والقدرات التي تؤهلهم للاستفادة من هذه الفرص.
وفيما يتعلق بمقترح الطالبة بشأن تقليل أعداد الملتحقين بكليات طب الأسنان، أوضح الدكتور مصطفى مدبولي أن الدولة بدأت بالفعل اتخاذ إجراءات لإعادة توزيع الطلاب الملتحقين بكليات القطاع الطبي، بما يتناسب مع الاحتياجات الفعلية لسوق العمل والقطاع الصحي.
إعادة توزيع الطلاب وفق احتياجات سوق العمل
وأشار رئيس الوزراء إلى أن الإجراءات الجديدة تتضمن زيادة أعداد الطلاب الملتحقين بكليات الطب البشري، مقابل تقليل الأعداد الملتحقة ببعض التخصصات الأخرى، ومن بينها طب الأسنان والصيدلة، في ضوء التقديرات التي تشير إلى أن الاحتياج الأكبر خلال المرحلة الحالية يتمثل في خريجي كليات الطب البشري.
وأكد أن الحكومة بدأت بالفعل تنفيذ هذه التوجهات، بما يحقق قدرًا أكبر من التوازن بين أعداد الخريجين والاحتياجات الفعلية للمنظومة الصحية، مشددًا على أن إعادة توزيع الطلاب بين التخصصات الطبية تأتي في إطار جهود الدولة لتطوير منظومة التعليم وربط مخرجاتها بمتطلبات سوق العمل.
وأضاف الدكتور مصطفى مدبولي أنه يتعين على الشباب، بالتوازي مع هذه الإجراءات، تغيير نظرتهم إلى العمل، وألا يكون التكليف الحكومي هو الغاية الأساسية من الدراسة الجامعية، بل ينبغي أن يتمثل الهدف في التفوق في التخصص، واكتساب المهارات اللازمة، والبحث عن فرص العمل المختلفة.
تغيرات سوق العمل تتطلب تطوير المهارات
واستعرض رئيس الوزراء التحولات التي شهدها سوق العمل خلال السنوات الماضية، مشيرًا إلى أن الدولة كانت تتبنى في مرحلة سابقة سياسة تقوم على تعيين الخريجين في الوظائف الحكومية، إلا أن هذا النهج توقف منذ فترة طويلة، وأصبح الخريجون مطالبين بالبحث عن فرص العمل التي تتناسب مع تخصصاتهم ومهاراتهم.
وأوضح أن هذا التحول جعل تنمية القدرات الشخصية والمهارات المهنية أحد العوامل الأساسية التي تحدد قدرة الخريج على المنافسة في سوق العمل، مؤكدًا أن الشهادة الجامعية وحدها لم تعد كافية لضمان الحصول على وظيفة مناسبة.
وأشار الدكتور مصطفى مدبولي إلى أن هذه المتغيرات تبرز أهمية امتلاك الشباب روح المبادرة والسعي إلى تطوير أنفسهم، وعدم الاكتفاء بالمعارف التي حصلوا عليها خلال سنوات الدراسة الجامعية، بما يتيح لهم التميز عن غيرهم من الخريجين الحاصلين على المؤهلات العلمية نفسها.
التدريب التكنولوجي يفتح مجالات جديدة للخريجين
واستشهد رئيس الوزراء بما شاهده خلال زياراته لعدد من مراكز التدريب التابعة لوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في مناطق مختلفة من الجمهورية، موضحًا أنه التقى مجموعات من الشباب الملتحقين ببرامج التدريب والتأهيل في مجالات التكنولوجيا والمعلومات.
وأضاف أنه لاحظ وجود خريجين من تخصصات جامعية متنوعة داخل قاعات التدريب نفسها، حيث التقى خريجات من كليات الحقوق والهندسة والطب البشري، رغم اختلاف طبيعة دراستهن الأكاديمية.
وأوضح الدكتور مصطفى مدبولي أنه عند الاستفسار عن أسباب التحاق هؤلاء الخريجين ببرامج التدريب التكنولوجي، تبين أنهم أدركوا وجود فرص عمل أفضل في بعض المجالات الجديدة، فاتجهوا إلى تطوير مهاراتهم من خلال التدريب واكتساب المعارف واللغات اللازمة للتأهل لهذه الفرص.
وأكد رئيس الوزراء أن هذه النماذج تعكس أهمية إدراك الشباب للتحولات التي يشهدها سوق العمل، والاستعداد للتعامل معها من خلال اكتساب مهارات جديدة تفتح أمامهم آفاقًا مهنية أوسع.
وشدد على أن تعلم مهارات إضافية أو العمل في مجالات جديدة لا يعني بالضرورة التخلي عن التخصص الجامعي الأصلي، وإنما يعكس حرص الخريج على تنمية قدراته وتوسيع نطاق الفرص المتاحة أمامه، بما يتناسب مع احتياجات سوق العمل.
مدبولي يدعو الشباب إلى عدم انتظار الوظيفة الحكومية
وأوضح الدكتور مصطفى مدبولي أن الشباب مطالبون بالتفكير المستمر في كيفية تطوير أنفسهم، والاستفادة من المجالات الحديثة، واكتساب المهارات التي تمكنهم من المنافسة والحصول على فرص عمل مناسبة، بدلًا من حصر طموحاتهم في انتظار وظيفة حكومية.
وأكد أن النجاح المهني يرتبط بالقدرة على العمل والإنتاج والتطوير المستمر للمهارات، وليس بمجرد الحصول على قرار بالتعيين أو التكليف، مشددًا على أهمية أن تحظى هذه القضية باهتمام الشباب عند التفكير في مستقبلهم المهني.
وفي ختام رده على مداخلة الطالبة، أكد رئيس الوزراء أهمية مواصلة الحوار مع شباب الجامعات حول مختلف القضايا المرتبطة بالتعليم والتوظيف ومستقبل الخريجين، قبل أن يدعو الحضور إلى طرح سؤال آخر، في إطار استمرار اللقاء والاستماع إلى تساؤلات الطلاب ومقترحاتهم.