يسود الإرهاق النفسي كأحد أبرز سمات العصر الحديث، حيث يفقد الإنسان قدرته على رؤية الجانب المشرق من الحياة، ويتملكه التوتر والقلق حتى وإن اجتمعت لديه أسباب الفرح؛ وعزا المتخصصون والمتبحرون في علم النفس والنصوص الشرعية ذلك إلى فقدان البوصلة والتوجه إلى الله تعالى، واتساع الشهوات، وضياع السكينة والاطمئنان.
الاستشفاء النفسي وتحقيق السكينة
أكد العلماء والمتخصصون أن أولى خطوات الاستشفاء من الإرهاق النفسي تكمن في تحقيق السكينة، والتي تتحقق عبر إدراك الرعاية الإلهية وأن الله تعالى يكلأ العبد، ويحفظه، ويستره، وأن ما يصيب الإنسان من كدر الدنيا ما هو إلا كفارة لذنوبه وتطهير لنفسه وتصحيح لمساره.
واستشهد العلماء بما أخرجه الإمام البخاري عن النبي ﷺ أنه قال:
«مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلا وَصَبٍ، وَلا هَمِّ وَلا حُزْنٍ، وَلا أَذًى وَلا غَمِّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلاَّ كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ».
وأوضحوا أن اكتمال علاج الإرهاق النفسي يتحقق بالإيمان والتحرر من عبودية الخوف، مما يمنح الإنسان قدرة على مواجهة الحياة بروح أكثر ثقة وأقل هلعاً، ليزداد احتماله لتقلباتها ومفاجآتها.
دار الإفتاء: الفارق بين المرض النفسي والعقلي وأثرهما على التكليف
وفي سياق التكييف الشرعي، أوضحت دار الإفتاء المصرية الفارق بين المرض النفسي والمرض العقلي وأثرهما على التكليف:
المرض النفسي (القلق، الخوف، التوتر):يكون فيه المريض واعياً ومدركاً للتصرفات، وما دام عاقلاً ومدركاً فهو محاسب ديناً وقانوناً عن أفعاله.
المرض العقلي (الذهان الشديد، الفصام، الهوس، الجنون المطبق):يفقد فيه المريض إدراكه وتمييزه، وهنا يُرفع عنه التكليف الشرعي في اللحظات التي يفقد فيها عقله وإدراكه الكامل.
د. أنس أبو شادي: الوسواس القهري ابتلاء لا يدل على الغضب والأحكام الفقهية المتعلقة بهمن جانبه، أكد الدكتور أنس أبو شادي، أستاذ الفقه المقارن ورئيس قسم الدراسات الإسلامية بكلية الطب جامعة الأزهر، أن الوسواس القهري يُعد من أصعب الأمراض النفسية وأكثرها إيلاماً وابتلاءً للمصاب به، مشدداً على الأحكام الفقهية التالية:
سقوط الكفارة:أفتى العلماء بأن المصاب بالوسواس القهري ليس عليه كفارة يمين.
عدم وقوع الطلاق:لا يقع طلاق المصاب بالوسواس القهري إلا إذا أُثبت ووُثِّق رسمياً أمام مختص.
استمرار وجوب الصلاة:لا تسقط الصلاة بحال عن المريض النفسي، وإنما تسقط حصراً عن المريض بمرض عقلي يسلبه الإدراك.
رفع المهانة عن المريض:أكد «أبو شادي» أن هذا الابتلاء ليس دليلاً على غضب الله أو الهوان والخذلان، مشيراً إلى أن الأنبياء عليهم السلام كانوا أشد الناس بلاءً، وعلى رأسهم النبي ﷺ.