دراسة دولية تكشف أن نشأة الأطفال في بيئة مليئة بالأمان والاهتمام قد ترتبط بسعادة أكبر وثقة أعلى بالآخرين في مرحلة البلوغ، لا تتوقف آثار الطفولة عند السنوات الأولى من العمر، بل قد تمتد لتؤثر في صحة الإنسان النفسية، وعلاقاته الاجتماعية، وشعوره بالرضا والانتماء عندما يكبر، وتشير دراسة أجراها باحثون في ثلاث دول مختلفة ثقافيا إلى أن توفير بيئة أسرية داعمة للأطفال قد يكون أحد العوامل المهمة المرتبطة ببناء مجتمعات أكثر سعادة وصحة وتماسكا.
ووفقا لتقرير نشره موقع «ScienceDaily»، نقلا عن دورية «Happiness Studies»، ارتبطت التجارب الإيجابية التي يعيشها الأطفال داخل الأسرة بمستويات أعلى من السعادة والرضا عن الحياة في مرحلة البلوغ، إلى جانب انخفاض مستويات القلق وتعزيز الثقة بالآخرين.
الأمان واللعب.. أساس نمو الطفل
تبدأ احتياجات الطفل النفسية والاجتماعية من شعوره بالأمان والاطمئنان داخل المنزل، وقدرته على الاعتماد على مقدمي الرعاية عندما يحتاج إلى المساعدة أو الدعم، كما يمثل اللعب الحر فرصة مهمة لاكتشاف العالم المحيط به، وتنمية مهاراته، والتعلم من التجارب اليومية وفي هذا السياق، ربطت دراسة قادها باحثون من جامعة نوتنغهام البريطانية بين توافر الرعاية المستجيبة لاحتياجات الأطفال، واللعب، والبيئة المنزلية الإيجابية عاطفيا، وبين مؤشرات أفضل للرفاه في مرحلة البلوغ.
وأظهرت النتائج أن وجود تجارب إيجابية خلال الطفولة قد يكون مؤشرا مهمًا على مستوى الرفاه مستقبلا، بل إن تأثير هذه التجارب كان، بصورة عامة، أكثر وضوحًا من مجرد غياب التجارب السلبية، ويشير ذلك إلى أن توفير بيئة آمنة وداعمة لا يقتصر على حماية الطفل من الأذى، بل يتطلب أيضا منحه الاهتمام والحنان والفرص التي تساعده على النمو والتطور بصورة متوازنة.
ماذا كشفت الدراسة في 3 دول؟
شملت الدراسة مشاركين من بريطانيا والولايات المتحدة واليابان، وهي دول تختلف في كثير من الجوانب الثقافية والاجتماعية، ومع ذلك جاءت النتائج متقاربة إلى حد كبير،وارتبطت ذكريات الطفولة الداعمة لدى المشاركين بمؤشرات أفضل للصحة، ومستويات أعلى من السعادة والرضا عن الحياة، فضلا عن انخفاض مستويات القلق، ولم تقتصر النتائج على الجوانب النفسية والصحية، بل امتدت إلى العلاقات الاجتماعية، إذ ارتبطت التجارب الإيجابية في الطفولة بارتفاع مستوى الرضا عن العلاقات الشخصية، والشعور بالانتماء إلى المجتمع المحلي، وزيادة الثقة بالآخرين.
وظلت هذه الارتباطات ذات دلالة إحصائية حتى بعد مراعاة بعض العوامل الديموغرافية، مثل مستوى الدخل والتعليم، ما يعزز أهمية التجارب الأسرية المبكرة في فهم الاختلافات في مستويات الرفاه بين الأفراد.
«العش المتطور».. كيف يفسر الباحثون النتائج؟
اعتمد الباحثون على إطار نظري يعرف باسم «العش المتطور»، وهو مفهوم يركز على مجموعة من ممارسات الرعاية التي يُعتقد أنها تتوافق مع الاحتياجات البيولوجية والنفسية والاجتماعية للأطفال خلال مراحل نموهم، ويشمل هذا الإطار جوانب مثل الاستجابة لاحتياجات الطفل، وتوفير الأمان العاطفي، وإتاحة فرص اللعب والاستكشاف، إلى جانب وجود بيئة أسرية تساعده على بناء علاقات مستقرة.
وقال الباحث الرئيسي في الدراسة، يوجين مالثوس، من كلية الاقتصاد بجامعة نوتنغهام، إن تجارب الطفولة تؤدي دورا مهما في تشكيل مستويات الرفاه على مدار الحياة، مشيرًا إلى أهمية فهم تربية الأطفال في ضوء احتياجاتهم التطورية، خاصة مع اختلاف ظروف الحياة الحديثة عن البيئات التي عاش فيها البشر عبر تاريخهم، وشارك في البحث باحثون من جامعتي وارويك وأوساكا، وحلل الفريق إجابات أشخاص تراوحت أعمارهم بين 18 و34 عاما، استعادوا تجاربهم خلال الطفولة، ثم أجابوا عن أسئلة تتعلق بمستوى سعادتهم ورضاهم عن الحياة وعلاقاتهم الاجتماعية وصحتهم النفسية.
هل تحدد الطفولة سعادة الإنسان طوال حياته؟
على الرغم من النتائج اللافتة، أوضح الباحثون أن الدراسة اعتمدت على ذكريات المشاركين عن طفولتهم، وهو ما لا يسمح بإثبات أن التجارب الإيجابية هي السبب المباشر وراء ارتفاع مستويات السعادة في مرحلة البلوغ،ومع ذلك، تسلط النتائج الضوء على أهمية الاهتمام بجودة الحياة الأسرية، وعدم الاكتفاء بمحاولة تجني