الأحد 17 مايو 2026 6:19:44
كل أم خلق الله بداخلها فطرة حب أطفالها، فتتحمل الصعاب من أجلهم مهما كلفها الأمر، وقد يصل بها الحال إلى تدهور صحتها أو استنزاف طاقتها النفسية والجسدية خوفًا من الإخفاق في تربيتهم.
وبين محاولاتها المستمرة للوصول بأبنائها إلى بر الأمان، قد تلجأ أحيانًا - دون قصد - إلى أساليب تربوية خاطئة تنعكس سلبًا عليها وعلى أطفالها، ومن أبرزها الصراخ كأسلوب للتربية، فماذا عن تأثير هذه الطريقة على الأم والأبناء؟ وهل توجد بدائل صحية في التربية؟
تربية عنيفة
في البداية يقول الدكتور جمال شفيق أحمد، استشاري العلاج النفسي بجامعة عين شمس، واستشاري العلاج النفسي بوزارة الصحة، وأمين لجنة قطاع الطفولة بالمجلس الأعلى للجامعات، إن بعض الأمهات يعتمدن على الصراخ ورفع الصوت كأسلوب دائم في التعامل مع الأطفال والتربية بصفة عامة، مؤكدًا أن هذا الأسلوب يعد من أساليب التربية العنيفة التي تدمر الصحة النفسية للطفل.
وأوضح أن الصراخ يؤدي إلى ضعف الثقة بالنفس، وزيادة التوتر والخوف، كما يتسبب في ظهور مشكلات سلوكية مثل تقليد السلوك العدواني، والعزلة، والاضطرابات الجسدية كالتأتأة والتبول اللاإرادي، إضافة إلى أن كثرة الخلافات بين الأم والطفل تولد حالة من التحدي والعناد، مما يجعل الأطفال يشعرون بأن الأم ليست داعمة لهم، وقد يؤدي ذلك في النهاية إلى انفصال عاطفي بينهم وبين الأم.
وأشار إلى أن الجو النفسي السام الناتج عن هذا الأسلوب قد يرفع من احتمالات الاكتئاب، وترك الدراسة، والإصابة بأمراض القلب، وتعاطي المخدرات، وربما الانتحار في بعض الحالات، موضحًا أن تأثير الصراخ على الطفل قد يفوق أحيانًا أثر الاعتداء الجسدي أو النفسي، لأنه ينعكس سلبًا على نمو شخصيته في جميع الجوانب.
وأضاف أن الأطفال يعانون من ضائقة عاطفية حتى وإن لم يفهموا الكلمات التي تقال أثناء الصراخ، لأن نبرة الصوت وحدتها كفيلة بإثارة الخوف داخلهم، كما قد تجعلهم عرضة لتقبل المعاملة السيئة من الآخرين مستقبلًا، فضلًا عن شعورهم الدائم بأنهم مخطئون أو غير مرغوب فيهم.
أسباب اللجوء للصراخ
وتابع د. جمال أن صراخ الأم لا يعبر بالضرورة عن القسوة، بل قد يكون نتيجة "انهيار لحظي" بسبب تراكم الضغوط النفسية والحياتية، موضحًا أن فهم الأسباب يمثل خطوة مهمة للعلاج.
وأوضح أن هناك أسبابًا تتعلق بالأم نفسها، مثل الإرهاق الجسدي، وقلة النوم، وضغوط الأعمال المنزلية، والحمل أو الرضاعة، إلى جانب أسلوب التربية الذي تعرضت له الأم في طفولتها، حيث قد تكون تربت هي الأخرى على الصراخ باعتباره أسلوبًا طبيعيًا للتربية، فتكرر هذا النمط دون وعي.
وأضاف أن المشكلات الأسرية والخلافات الزوجية والضغوط الاقتصادية، والشعور بالوحدة النفسية، وغياب الدعم العاطفي والاجتماعي، جميعها عوامل تدفع الأم إلى العصبية، خاصة مع عدم استجابة الأطفال لأوامرها، فتلجأ إلى الصراخ كوسيلة للسيطرة عليهم ولو بشكل مؤقت.
وأشار إلى وجود أسباب تتعلق بالأطفال أنفسهم، منها طبيعة بعض المراحل العمرية، مثل مرحلة الطفولة المبكرة بين عامين وثلاثة أعوام، والتي تتميز بالعند والانفعالات الزائدة، وكذلك مرحلة المراهقة المبكرة من 12 - 15 عامًا، حيث يميل الأبناء إلى التمرد والعصبية ورفض الأوامر.
كما تلعب الحالة النفسية للطفل دورًا مهمًا، مثل شعوره بالجوع أو التعب أو الملل، فضلًا عن تقليده لما يشاهده من سلوكيات عصبية داخل الأسرة أو عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.
الصحة النفسية
وأوضح د. جمال أن الصراخ لا يضر الطفل فقط، بل يؤثر أيضًا سلبًا على صحة الأم النفسية والجسدية، حيث ترتبط نوبات الغضب بارتفاع هرمونات التوتر، مما يزيد من خطر الإصابة بالصداع المزمن والتهابات الشعب الهوائية، فضلًا عن القلق والاكتئاب والحزن المستمر.
أما بالنسبة للأطفال، فقد يؤدي التعرض المستمر للصراخ إلى صدمات نفسية تظهر في صورة خوف شديد، وكوابيس، وتبول لا إرادي، وعدوانية، وعزلة، وضعف في الشخصية، وانخفاض الثقة بالنفس، إضافة إلى ترسيخ أفكار سلبية لديهم عن أنفسهم.
وأكد أن صراخ الأم يغير كيمياء مخ الطفل، حيث يزيد من إفراز هرمونات التوتر، ويرفع معدل ضربات القلب، ويعطل التفكير المنطقي، كما يتعلم الطفل أن الصراخ هو الوسيلة الطبيعية لحل المشكلات، فيمارسه مع إخوته وأصدقائه، ويعاني لاحقًا من صعوبات في التواصل مع الآخرين.
وأضاف أن التعرض المتكرر للأصوات العالية قد يؤدي إلى مشكلات سمعية دائمة لدى بعض الأطفال، خاصة مع تكرار الصراخ وحدته.
أساليب بديلة
ونصح د. جمال الأمهات بعدد من الأساليب البديلة، منها الاقتراب من الطفل والتحدث معه بصوت منخفض وقت الغضب، لأن الهمس يساعد على تهدئة المخ، بدلًا من استخدام الكلمات العدوانية أو الاتهامات المباشرة.
كما دعا إلى وصف المشكلة بدلًا من مهاجمة الطفل، فعلى سبيل المثال، بدلًا من قول: "أنت مهمل"، يمكن القول: "الألعاب ملقاة على الأرض"، حتى يركز الطفل على السلوك وليس على الدفاع عن نفسه.
وشدد على أهمية إعطاء الطفل بدائل وخيارات بدلًا من الأوامر الجافة، واستخدام الفكاهة واللعب والابتسامة بدلًا من التهديد والعقاب المستمر، مع ضرورة الاعتذار للطفل عند الخطأ وشرح أن العصبية لم تكن مقصودة.
وأكد أهمية اهتمام الأم بصحتها النفسية من خلال الحصول على قسط كافٍ من النوم والراحة، وممارسة الرياضة الخفيفة، واستخدام تمارين التنفس والاسترخاء وقت الغضب، إلى جانب محاولة فهم أسباب غضب الطفل والتواصل معه عاطفيًا.
وأضاف أن على الأم أن تدرك أن شقاوة الطفل جزء طبيعي من نموه النفسي وليست تحديًا شخصيًا لها، وأن الحوار الهادئ والتفاهم والاحتواء هي الوسائل الأكثر فاعلية في التربية.
وأشار إلى أن مخ الطفل يتمتع بمرونة كبيرة، وبالتالي فإن تقليل الصراخ واستبداله بالحب والحنان والأمان يساعد تدريجيًا على تقليل الآثار النفسية السلبية.
ضغوط حديثة
ومن جانبها، تتفق الدكتورة أميرة شاهين، أخصائي الإرشاد النفسي والأسري، مع الرأي السابق، موضحة أن الأم أصبحت تتحمل في الوقت الحالي مسئوليات أكبر بكثير مقارنة بالماضي، في ظل تراجع دور الأب أحيانًا، وغياب الدعم الأسري والمجتمعي الذي كان يشارك في التربية.
وأضافت أن التفكك الأسري، وانشغال الأب بالعمل أو السفر، وغياب الحدود الواضحة داخل الأسرة، كلها عوامل تجعل الأم تحت ضغط دائم، ما يدفعها أحيانًا لاستخدام الصراخ باعتباره وسيلة للسيطرة أو بدافع الخوف الزائد على الأبناء.
وأكدت أن الصراخ يترك آثارًا سلبية قريبة وبعيدة المدى على الأطفال، مثل اضطرابات النوم، والاكتئاب، وضعف الشخصية، والشعور المستمر بالذنب، إلى جانب مشكلات جسدية مثل الصداع وآلام المعدة والقولون الناتجة عن التوتر.
كيف تتخلص الأم من العصبية؟
وأوضحت د. أميرة أن من أبرز أسباب العصبية لدى الأمهات وجود توقعات غير واقعية من الأطفال، وعدم فهم خصائص كل مرحلة عمرية، إلى جانب نقص مهارات التربية، والخوف من الفشل، وبعض المشكلات الصحية مثل اضطرابات الغدة أو اكتئاب ما بعد الولادة.
ونصحت بضرورة أن تعترف الأم أولًا بأنها تعاني من العصبية الزائدة، ثم تحاول معالجة أسبابها، سواء بتنظيم الوقت، أو طلب المساعدة من الزوج والأسرة، أو تخصيص وقت للراحة والترفيه عن النفس.
كما شددت على أهمية تعلم الأطفال تحمل المسئولية تدريجيًا، وفهم أن التربية عملية تحتاج إلى الصبر والهدوء، وليس العصبية والصراخ المستمر.





