"المرور البريء".. سلاح إيراني لكسر الحصار الأمريكي لـ "هرمز"

في محاولة إيرانية جديدة للتقليل من الأثر الاقتصادي للحصار الأمريكي على مضيق هرمز، فعّلت طهران ما يُعرف بـ "المرور البريء"، عبر توجيه السفن الإيرانية للسير في المياه الإقليمية المحاذية لسواحلها، ثم المياه الإقليمية الباكستانية، ثم الهندية، وهو ما اعتبره خبراء استخدامًا قانونيًا مشروعًا لحق المرور البريء المكفول بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، كما أن واشنطن لا تستطيع مواجهته عسكريًا، لأنها بذلك تكون قد خرقت وقف إطلاق النار مع إيران، والذي لا يزال ساريًا حتى الآن.


تخفيف الحصار الأمريكي
ويقول اللواء أركان حرب سمير بدوي، الخبير العسكري والمستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، إن المسعى الإيراني لكسر الحصار الاقتصادي عبر ما يُعرف بـ "المرور البريء" للسفن التجارية داخل مياهها الإقليمية وصولًا إلى المياه الإقليمية الباكستانية، يُعد استراتيجية التفافية تهدف إلى تخفيف وطأة الضغوط الأمريكية الخانقة.

وأضاف أن قيام واشنطن باستهداف السفن الإيرانية أثناء وجودها داخل نطاق المياه الإقليمية، سواء الإيرانية أو الباكستانية، لا يمكن تصنيفه إلا كخروج سافر عن قواعد الاشتباك المعمول بها، ويُعد خرقًا مباشرًا لاتفاق وقف إطلاق النار بين الطرفين.

اعتداء مزدوج
وتابع أنه وفقًا للقانون الدولي، تمتلك الدول سيادة كاملة على مياهها الإقليمية، وأي عمل عسكري أمريكي داخل هذه الحدود يمثل اعتداءً مزدوجًا، سواء على السيادة الإيرانية وكسرًا للهدنة، أو اعتداءً صريحًا على السيادة الباكستانية حال وقوع الاستهداف داخل حدودها البحرية، وهو ما يهدد بتوسيع رقعة الصراع الإقليمي وإقحام أطراف دولية جديدة في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

واعتبر أن هذا النهج يعكس قدرة طهران على ابتكار حلول لوجستية لمواجهة التضييق الاقتصادي، طالما ظلت هذه السفن تتحرك داخل نطاق السيادة الوطنية أو مياه الدول الصديقة.

إلا أن هذه الآلية تواجه عيوبًا بنيوية، تتمثل في ارتفاع تكلفتها، إذ يتطلب هذا النوع من الملاحة الساحلية الطويلة والمؤمنة نفقات تشغيلية ولوجستية باهظة، تفوق بكثير طرق الملاحة الدولية التقليدية.

عوائق جغرافية
وأضاف بدوي أن القيود الجغرافية تمثل عائقًا آخر، حيث تظل هذه السفن حبيسة المياه الإقليمية، وأي محاولة للخروج إلى المياه الدولية تجعلها عرضة للاستهداف من سفن الحصار الأمريكي.

كما أن استمرار هذا الممر يعتمد بشكل كبير على موافقة دول الجوار، وأي ضغوط دبلوماسية أو اقتصادية على باكستان قد تدفعها إلى رفض مرور هذه السفن، ما يؤدي إلى انسداد هذا المسار.

هشاشة بحرية
واختتم حديثه بالتأكيد على أن الحفاظ على وضعية "المرور البريء" داخل المياه الإقليمية الإيرانية والباكستانية، رغم كونه وسيلة لتخفيف آثار الحصار، فإن أي طلقة أمريكية داخل هذه الحدود تعني رسميًا نهاية مرحلة خفض التصعيد، والانتقال إلى مواجهة شاملة غير محسوبة العواقب.

استخدام قانوني مشروع
من جانبه، اعتبر الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام وخبير النزاعات الدولية، أن نجاح 34 سفينة على الأقل في تجاوز الحصار البحري الأمريكي عبر السير في المياه الإقليمية الإيرانية ثم الباكستانية ثم الهندية، يمثل استخدامًا قانونيًا مشروعًا لحق المرور البريء، المكفول بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982.

وأوضح أن البيانات الملاحية تشير إلى عبور 34 ناقلة نفط مرتبطة بإيران عبر مضيق هرمز، وفق وكالة بلومبيرج، و24 سفينة محملة بالنفط والغاز بحسب صحيفة وول ستريت جورنال، كما أظهرت صور الأقمار الصناعية خروج أكثر من 30 سفينة من الموانئ الإيرانية رغم الحصار الأمريكي المفروض منذ 13 أبريل 2026، مشيرًا إلى أن نصف هذه السفن سلك مسارات محددة من قبل السلطات الإيرانية عبر المياه الإقليمية المتعاقبة.

حصار غير قانوني
وأكد أن المرور العابر في مضيق هرمز يخضع للجزء الثالث من اتفاقية قانون البحار، لا سيما المادة 38، التي تنص على حق جميع السفن والطائرات في المرور العابر عبر المضايق المستخدمة للملاحة الدولية.

وشدد على أن الحصار الأمريكي يستهدف الموانئ الإيرانية وليس المضيق نفسه، لأن فرض حصار على ممر مائي دولي يُعد غير قانوني بموجب القانون البحري الدولي.

استراتيجية "نظيفة"
وبيّن أن "المرور البريء" الذي تعتمد عليه السفن الإيرانية يُعد استراتيجية قانونية "نظيفة"، إذ يخضع للجزء الثاني من الاتفاقية، وتحديدًا المادة 17، التي تمنح جميع السفن حق المرور البريء عبر البحر الإقليمي، بشرط ألا يضر بسلم الدولة الساحلية أو أمنها، وأوضح أن السفن الإيرانية تمارس هذا الحق طالما التزمت بعدم القيام بأنشطة محظورة مثل التهديد بالقوة أو التجسس أو التلوث.

مضيفًا أن البحرية الأمريكية لا تستطيع قانونيًا اعتراض السفن داخل المياه الإقليمية للدول الساحلية، لأن ذلك يُعد انتهاكًا لسيادة هذه الدول، وفقًا للمادة 2 من الاتفاقية، وأشار إلى أن اعتراض السفن يقتصر على المياه الدولية فقط، وفقًا لأحكام الجزء السابع من الاتفاقية.

واختتم د. مهران حديثه بأن الاستراتيجية الإيرانية باستخدام "المرور البريء" تكشف عن فهم عميق للقانون البحري الدولي، واستغلال ذكي للثغرات القانونية في الحصار الأمريكي، حيث يتيح القانون للدول اختيار مساراتها البحرية طالما التزمت بشروط المرور البريء، وأي محاولة لمنع هذا الحق تُعد انتهاكًا للقانون الدولي.