على الرغم من حالة الدمار التي خلّفتها الحرب الإسرائيلية على مدار عامين في قطاع غزة، شهدت مدينة دير البلح حدثًا انتخابيًا بارزًا، حيث أُجريت يوم السبت 25 أبريل 2026 أول انتخابات محلية (بلدية) في المدينة وفي القطاع منذ ما يقارب 22 عامًا، وذلك بالتزامن مع الانتخابات المحلية في الضفة الغربية، بقرار من لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية.
وتنافست أربع قوائم انتخابية على مقاعد المجلس البلدي المكوَّن من 15 عضوًا، وتم استخدام مراكز إيواء النازحين كمقار انتخابية، نظرًا لامتلاء المدارس في المدينة بهم، إلى جانب بعض مقار مؤسسات المجتمع المدني، وبلغ عدد من يحق لهم الاقتراع في دير البلح نحو 70,449 ناخبًا وناخبة، وتم تجهيز 12 مركز اقتراع موزعة في أنحاء المدينة، وأشرف على العملية نحو 675 موظفًا، مع وجود رقابة من 10 مؤسسات محلية، وتغطية إعلامية من عشرات الصحفيين لضمان الشفافية.
وأعلنت لجنة الانتخابات المركزية النتائج الأولية في اليوم التالي للانتخابات، معتبرة هذه الخطوة محاولة لاستعادة الإدارة المحلية رغم الظروف الأمنية والسياسية الصعبة والدمار الذي خلّفته الحرب.
رسالة مهمة
وأشار علاء مطر، المحلل والباحث المتخصص في الشئون الفلسطينية، إلى أن هذه الانتخابات تُعد رسالة من السلطة الفلسطينية إلى المجتمع الدولي بأنها جاهزة لليوم التالي للحرب، وأنها خطوة أولية نحو تعزيز المشاركة الديمقراطية وإعادة تنشيط الحياة السياسية على المستوى المحلي، في ظل حالة الجمود التي شهدها النظام السياسي الفلسطيني خلال السنوات الماضية.
واعتبر أن اختيار دير البلح كخطوة رمزية جاء لكونها المدينة الأقل تضررًا وبقاء معظم سكانها فيها، في حين تعذّر إجراء الانتخابات في باقي مناطق المحافظة الوسطى وبقية القطاع بسبب الظروف الأمنية واللوجستية والميدانية.
حضور ملحوظ
وشدد على أن تصدّر قائمة «النهضة» المقربة من حركة فتح للمرتبة الأولى، تليها قائمة «المستقبل» المحسوبة أيضًا على الحركة، يعكس استمرار حضور القاعدة التنظيمية والاجتماعية لـ«فتح» في الانتخابات المحلية.
كما أشار إلى أن تراجع أداء القائمة المحسوبة على حركة حماس يعود إلى الظروف السياسية والاقتصادية التي يعيشها المواطن، الذي يُحمّل الحركة المسؤولية عما حدث في غزة بعد السابع من أكتوبر.
واعتبر أن انخفاض نسبة المشاركة يرجع إلى حالة الإحباط السياسي لدى شريحة من الناخبين، إلى جانب تأثير الانقسام السياسي والظروف المعيشية الصعبة، ما أدى إلى عزوف البعض عن المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية.
لحظة سياسية فارقة
وقال الدكتور سعيد أبو رحمة، الباحث والمحلل الفلسطيني، إن انتخابات المجالس المحلية في مناطق السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وامتدادها المحدود إلى قطاع غزة تمثل لحظة سياسية لافتة وفارقة، إذ تتجاوز بعدها الخدمي المباشر لتلامس بنية النظام السياسي الفلسطيني واتجاهات الرأي العام في ظل بيئة معقدة من الانقسام والضغوط.
وأضاف أن إجراء الانتخابات في محافظات الضفة يعكس إصرارًا من السلطة الوطنية الفلسطينية على الحفاظ على الحد الأدنى من الشرعية التمثيلية وتدوير النخب المحلية، مشيرًا إلى أن هذه الانتخابات، تؤدي عمليًا وظيفة سياسية مزدوجة، تتمثل في اختبار المزاج الشعبي وإعادة إنتاج شرعية مؤسسات الحكم المحلي.
وأوضح أن اللافت تنظيم الانتخابات في مدينة دير البلح داخل قطاع غزة، رغم سيطرة حركة حماس، وأن اقتصار العملية على المدينة تحديدًا لا يبدو تفصيلًا إداريًا بقدر ما يعكس تفهمًا لكونها منطقة أقل حساسية سياسيًا وأمنيًا، واعتبارها منطقة أكثر أمانًا مقارنة بمدن أخرى مثل غزة أو خان يونس، رغم تعرضها للاستهداف الإسرائيلي المستمر سواء أثناء الحرب أو بعد إعلان وقف إطلاق النار.
وأشار إلى أن دير البلح تُعد منطقة وسطى جغرافيًا، ويغلب عليها الطابع العائلي، ما يجعلها بيئة مناسبة لتجربة انتخابية، وفي الوقت نفسه تقدم رسالة مفادها أن فكرة الانتخابات لا تزال ممكنة، ولو بشكل جزئي وانتقائي، وأن غزة والضفة كيان واحد لا يمكن فصله مهما كانت التحديات.
وأشار إلى أن تصدّر قائمة «النهضة» ثم «المستقبل» يعكس استمرار قوة القاعدة الشعبية لحركة فتح على المستوى المحلي، بينما يفسَّر تراجع القوائم الأخرى بعزوف جزء من جمهورها عن المشاركة لأسباب سياسية أو أمنية أو لغياب الحافز، ما انعكس على نتائجها.
وأضاف أن الطابع المحلي للانتخابات يمنح الأفضلية للشبكات العائلية والخدمية المرتبطة بتنظيمات ذات امتداد شعبي، مقارنة بالفصائل ذات الطابع الأيديولوجي.
حالة فقدان ثقة
واعتبر أن نسبة الإقبال المتدنية، التي لم تتجاوز 24%، تُعد المؤشر الأكثر دلالة، إذ تعكس حالة من اللامبالاة السياسية أو فقدان الثقة في جدوى الانتخابات المحلية في ظل غياب أفق سياسي شامل.
وأوضح أن المواطن الفلسطيني، المثقل بالضغوط الاقتصادية والأمنية، قد لا يرى في هذه الانتخابات أداة حقيقية للتغيير، خاصة فيما يتعلق بملفات الإعمار والإيواء وسياسات الاحتلال المستمرة في غزة.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن هذه الانتخابات تكشف ثلاث حقائق رئيسية؛ أولًا، استمرار قدرة النظام السياسي على إعادة إنتاج نفسه محليًا رغم الجمود على المستوى الوطني، ثانيًا، بقاء حركة فتح الفاعل الأكثر تنظيمًا وتأثيرًا في الحكم المحلي، ثالثًا، اتساع الفجوة بين العملية الانتخابية والمزاج الشعبي، كما يظهر في ضعف المشاركة، مؤكدًا أن تجربة دير البلح تُظهر أن الانتخابات ممكنة حتى في البيئات الصعبة، لكنها تظل محدودة الأثر ما لم ترتبط بمسار سياسي أوسع يعيد ثقة الجمهور ويمنح العملية الديمقراطية معنى حقيقيًا.