Loading...
رئيس مجلس الإدارة
د.حاتم صادق

المصرى اون لاينبوابة خبرية متخصصة

رئيس التحرير
قدري الحجار

الخوارزميات تشكل الوعي وتثير الفتن

الثلاثاء 21 أبريل 2026   1:45:11

بضغطة إصبع واحدة على زر «المشاركة»، قد لا تنشر مجرد خبر، بل قد تساهم، دون قصد، في تشكيل موجة تأثير داخل معركة من نوع مختلف؛ معركة لا تُخاض بالأسلحة التقليدية، بل بالمعلومات والانتباه والإدراك.

نحن اليوم أمام ما يُعرف بـ «الحروب الإدراكية»، حيث لا تستهدف المعركة الواقع فقط، بل طريقة فهمه داخل عقول المستخدمين، عبر خوارزميات صُممت لتضخيم المحتوى الأكثر إثارة وجذبًا، حتى وإن لم يكن الأكثر دقة.


جاذبية خوارزمية
في هذا السياق، يقول الدكتور وليد عتلم، الكاتب والباحث بالمركز الوطني للدراسات، إن المحتوى المتطرف وخطاب الكراهية ومحتوى الفضائح ينتشر بوتيرة أسرع، لأنه «أكثر جاذبية خوارزميًا».

فالمنصات الرقمية لا تعمل كفضاء محايد، بل وفق منطق اقتصادي بسيط «التفاعل يعني الربح»، وبالتالي، تميل الخوارزميات إلى دفع المحتوى الأكثر إثارة، لأنه الأعلى تفاعلًا، ومن ثم الأعلى ربحًا.

ويضيف أن هذا لا يعني أن الخوارزميات تصنع الفتنة، لكنها قد تضخمها وتُسرّع انتشارها في بيئة قابلة لذلك، وتشير تقديرات دولية إلى أن الأخبار الكاذبة تنتشر أسرع من الصحيحة بنسبة قد تصل إلى 70%، كما أن المحتوى الغاضب أو السلبي يحصد تفاعلًا أكبر بكثير من المحتوى المتوازن.

واقع متراكم من الشائعات
على الأرض، وبالأرقام الموثقة، يكشف الواقع المصري عن حجم المعركة، ويوضح د. عتلم أن البيانات الصادرة عن مركز دعم واتخاذ القرار بمجلس الوزراء تشير إلى رصد والتعامل مع أكثر من 13 ألف شائعة خلال الفترة من 2014 - 2023، بمتوسط يتجاوز 1200 شائعة سنويًا.

وخلال عام 2020 وحده، ومع ذروة جائحة كورونا، تم نفي نحو 800 شائعة في عام واحد، بينما استمرت المعدلات لاحقًا عند مستويات مرتفعة، وصلت في بعض الفترات إلى 20 - 30 شائعة أسبوعيًا.

ويتابع؛ هذا التراكم يعكس حجم الضغط المستمر على الوعي العام، ومحاولات إعادة تشكيل الإدراك الجمعي عبر موجات معلومات متلاحقة.

تحرك الدولة
ويوضح أنه أمام هذا المشهد، لم تقف الدولة في موقع المتلقي، بل تحركت عبر مسارين متوازيين: المسار الأول قانوني، من خلال قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، الذي يُجرّم نشر الأخبار الكاذبة وإدارة الحسابات بهدف الإضرار بالأمن القومي، مع عقوبات قد تصل إلى الحبس والغرامة، إضافة إلى نصوص قانون العقوبات المتعلقة بالشائعات وإثارة الفتن.

أما المسار الثاني، فهو إعلامي وتوعوي، عبر آليات الرصد السريع والرد الفوري التي ينفذها المركز الإعلامي لمجلس الوزراء، بالتنسيق مع الجهات المعنية، بهدف تقليل تأثير الشائعة قبل ترسخها في الوعي العام.

معركة الوعي
ورغم تصاعد موجات التضليل، يشير د. عتلم إلى أن المجتمع المصري يمتلك درجة من التماسك والقدرة على التمييز، مكنته في كثير من الأحيان من تجاوز تأثير الشائعات، خاصة في فترات الأزمات.

لكن هذا التماسك وحده غير كافٍ، إذ يظل بحاجة إلى عنصر أكثر عمقًا، هو الوعي ذاته، باعتباره خط الدفاع الأول في مواجهة هذا النوع من الحروب، لذلك يبرز دور المؤسسات التعليمية والإعلامية والدينية والسياسية في رفع مستوى الثقافة المعلوماتية، ليس فقط للنخب، بل للمجتمع ككل، بما يعزز «مناعة معرفية» ضد التضليل المتعمد، ومن هنا تبرز الحاجة إلى تطوير أدوات التفكير النقدي، باعتبارها جزءًا من الأمن المجتمعي، وليس مجرد رفاهية معرفية.

الفضاء الرقمي وتحول طبيعة الحرب
وإذا كان الوعي يمثل خط الدفاع الأول، فإن ساحة هذه المعركة تتسع بشكل أكبر داخل الفضاء الرقمي، وفي هذا السياق، توضح الدكتورة أحلام محمد، أستاذة العلوم السياسية، أن الحروب لم تعد تُقاس بالقوة العسكرية فقط، بل بالقدرة على التأثير في الإدراك وصناعة الوعي.

وتشير إلى أن مفهوم «الحرب الإدراكية» تطور بشكل كبير مع التحول الرقمي منذ التسعينيات، حيث لم تعد تستهدف البنية المادية، بل العقول مباشرة، عبر تحليل البيانات وتوجيه السلوك الجمعي على نطاق واسع.

مضيفةً أن المعلومات باتت، في كثير من الأحيان، سلاحًا استراتيجيًا لا يقل تأثيرًا عن القوة العسكرية التقليدية، فالفضاء الرقمي أصبح الساحة الأكثر ملاءمة لهذه الحروب، نظرًا لقدرته على تجاوز الحدود الجغرافية، وسرعة انتشار المحتوى، وإمكانية تخصيص الرسائل وفق سلوك المستخدمين، وهو ما يجعل من الخوارزميات أداة مزدوجة؛ تسهّل الوصول إلى المعلومة، لكنها قد تسهّل أيضًا التلاعب بها.

آليات التأثير الرقمي
وتحدد د. أحلام أبرز أدوات هذه الحروب في التحكم في تدفق المعلومات وتوجيه ما يظهر للمستخدم، التلاعب الخوارزمي وفق سلوك الأفراد واهتماماتهم، استغلال التأثير النفسي لإثارة الخوف أو الغضب أو الانتماء، كذلك نشر الأخبار المفبركة وصناعة التشويش المعلوماتي، والقدرة على الدمج بين الإعلام التقليدي والمنصات الرقمية لخلق تأثير متكرر ومكثف.

تحديات الحماية
وتؤكد أن التحدي الأكبر اليوم لم يعد في إنتاج المعلومات، بل في القدرة على التمييز بينها، فالتدفق المستمر للمحتوى الصحيح والمضلل في آنٍ واحد يخلق حالة من «الإرهاق المعرفي»، تجعل عملية التحقق معقدة لدى المستخدم العادي، ومن هنا تبرز أهمية التعليم الرقمي، وتعزيز مهارات التفكير النقدي، إلى جانب الأطر التشريعية المنظمة للفضاء الرقمي.

سيكولوجية الشائعة
ومن زاوية نفسية، يوضح الدكتور أحمد عبد الله، أستاذ علم النفس، أن الإنسان بطبيعته يميل إلى تصديق المعلومات التي تتوافق مع أفكاره المسبقة، ويتجاهل ما يخالفها، وهي ظاهرة تُعرف بـ«التحيز التأكيدي».

كما أن الأخبار التي تثير مشاعر قوية، مثل الخوف أو الغضب، تنتشر أسرع بكثير من الحقائق، لأن العقل يتعامل معها كأمر عاجل يستدعي التفاعل الفوري قبل التفكير أو التحقق من صحتها، وخلال الأزمات، يزداد انتشار الشائعات بسبب رغبة الناس في الوصول إلى إجابات سريعة، حتى لو كانت غير دقيقة.

كما يشير إلى أن تكرار التعرض لنفس الأفكار داخل دوائر متشابهة يؤدي إلى ما يُعرف بـ«الاستقطاب»، حيث يصبح من الصعب على الأفراد تقبّل آراء مختلفة، ويتمسكون أكثر بمعتقداتهم.

الذباب الرقمي
وهذا «الضعف النفسي» هو تحديدًا ما يستغله «الذباب الرقمي»، وهي تلك الحسابات الوهمية أو الموجهة التي تُستخدم لتضخيم محتوى معين أو مهاجمة أطراف محددة، لتكون بمثابة جيوش إلكترونية تعمل على تضخيم هذه المشاعر المصطنعة.

وفي هذا الصدد، يحذر الدكتور وليد رشاد، أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، في دراسة حديثة بالمركز، من أن هذه الظاهرة تتسع مع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، التي أصبحت قادرة على إنتاج محتوى ضخم يصعب تمييزه عن الحقيقي.

ويؤكد أن هذه الحسابات لم تعد مجرد «تعليقات عشوائية»، بل تحولت إلى أدوات قادرة على صناعة «تريندات» وهمية، تعطي إيحاءً كاذبًا بوجود إجماع شعبي على فكرة مضللة أو حملة تشهير، مما يضع المستخدم العادي في حالة من «الاستقطاب» تجعله يتمسك بمعتقداته ويرفض أي رأي مخالف، ومن هنا تبرز أخطر أدوارها في نشر الشائعات، وإدارة حملات التشهير، وصناعة الترندات المصطنعة التي تؤثر بشكل مباشر على الرأي العام.

مواجهة فردية
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبدأ المواجهة من سلوك المستخدم نفسه. ويؤكد د. وليد أن التفاعل الواعي مع المحتوى يمثل خط الدفاع الأول، ويقترح خطوات عملية بسيطة:

التوقف عن التفاعل مع المحتوى مجهول المصدر.
متابعة الحسابات الرسمية والموثوقة فقط.
قاعدة الـ 30 ثانية: قبل الضغط على «مشاركة»، اسأل نفسك: ما المصدر؟ ومن المستفيد؟
عدم نشر بيانات شخصية حساسة.
الإبلاغ عن الحسابات المسيئة أو المضللة.
الرجوع إلى مصادر خارج منصات التواصل عند التحقق من المعلومات.

وفي النهاية، وبين موجات التضليل والتدفق الهائل للمعلومات، يظل الوعي هو خط الدفاع الأول والأخير. فمهما تطورت أدوات التأثير الرقمي، تبقى قدرة الإنسان على التفكير النقدي هي العامل الحاسم في هذه المعركة المستمرة.




تواصل معنا