السبت 27 ديسمبر 2025 9:59:59
د. مروة الشناوى
يُقدَّم إصلاح التعليم، في الغالب، باعتباره عملية تقنية محايدة. تحسين نواتج التعلّم. تحديث المناهج. مواءمة التعليم مع متطلبات الاقتصاد الحديث.
هكذا تُروى القصة.
لكن في دول الجنوب العالمي، نادرًا ما يكون إصلاح التعليم مسألة تقنية فقط.
هو، في جوهره، مسألة سلطة.
خلف الوثائق الرسمية، وخطط الإصلاح، وأطر التمويل، يختبئ سؤال بسيط في صيغته، عميق في دلالته: من الذي يحدد أجندة إصلاح التعليم؟ ولأي غاية تُصاغ هذه الأولويات؟
على مدى عقود، لم تتشكل أنظمة التعليم في الجنوب العالمي استجابةً للاحتياجات الوطنية وحدها. بل تشكّلت أيضًا، وبقوة، تحت تأثير فاعلين خارجيين: مؤسسات مالية دولية، جهات مانحة، بنوك تنمية، وشبكات سياسات عابرة للحدود.
تُقدَّم هذه التدخلات عادةً بوصفها دعمًا فنيًا قائمًا على “الأدلة”. لكنها، في الواقع، تعكس علاقات قوة غير متكافئة.
البنية العالمية لإصلاح التعليم
تتشابه أجندات إصلاح التعليم في دول الجنوب العالمي على نحو لافت.
المفاهيم ذاتها.
الأدوات ذاتها.
وحتى اللغة ذاتها.
اختبارات معيارية. مؤشرات أداء. نظم مساءلة. ربط التعليم بالإنتاجية الاقتصادية. وأحيانًا، إدخال آليات السوق إلى قلب النظام التعليمي، عبر الخصخصة أو الشراكات بين القطاعين العام والخاص.
ظاهريًا، تبدو هذه المقاربات عقلانية. بل لا مفر منها.
لكن عند التمعّن، يتضح أنها تنطلق من تصور ضيق للتعليم، تصور يُختزل فيه التعليم إلى أداة اقتصادية، لا عملية إنسانية أو اجتماعية أو ثقافية.
في هذا الإطار، لا يُسأل: أي إنسان نريد أن نبني؟
بل يُسأل: أي عامل نحتاج؟
وهكذا، يتراجع التعليم بوصفه مساحة لتشكيل الوعي النقدي، وتعزيز المواطنة، وبناء الانتماء، لصالح نموذج يُعلي من “الجاهزية لسوق العمل”.
نموذج واحد. يصلح للجميع. هكذا يُفترض.
التمويل المشروط وتآكل القرار الوطني
التمويل ليس محايدًا.
ولا الشروط المصاحبة له.
في كثير من الحالات، ترتبط القروض والمنح بتبني سياسات تعليمية بعينها. سياسات جاهزة. مجرَّبة في أماكن أخرى. وقابلة للقياس السريع.
وفي ظل أزمات اقتصادية خانقة، لا تملك الحكومات دائمًا رفاهية الرفض.
هنا، يتحول إصلاح التعليم من خيار سيادي إلى استجابة اضطرارية.
تُكتب الاستراتيجيات الوطنية بلغة تُرضي الممولين.
وتُصمَّم الخطط لتتماشى مع توقعات خارجية، لا مع واقع الفصول الدراسية.
ينشأ بذلك نمط من تبعية السياسات؛ حيث يصبح النجاح مرهونًا بمدى الالتزام بالنموذج المفروض، لا بمدى ملاءمته للمجتمع.
الغائبون عن طاولة القرار
ربما تكون المشكلة الأعمق هي الغياب.
غياب الأصوات المحلية.
المعلمون.
الباحثون المحليون.
المجتمعات التعليمية نفسها.
نادرًا ما يُنظر إليهم بوصفهم شركاء في صياغة الإصلاح. وغالبًا ما يُختزل دورهم في التنفيذ.
ينفذون ما لم يشاركوا في تصميمه.
ويُحاسَبون على نتائج لم يختاروا أدواتها.
وحين يغيب الإحساس بالملكية، يفقد الإصلاح روحه.
يصبح عبئًا إداريًا.
لا مشروع تحوّل حقيقي.
نحو إعادة طرح السؤال
نقد الأجندات العالمية لإصلاح التعليم لا يعني رفض التعاون الدولي، ولا الدعوة إلى الانغلاق.
بل يعني إعادة طرح السؤال الأساسي.
من يملك حق تعريف الإصلاح؟
ومن يحدد أولوياته؟
ولصالح من؟
إصلاح التعليم في الجنوب العالمي يحتاج إلى أكثر من نماذج جاهزة ومؤشرات قياس. يحتاج إلى إنصات.
إلى شراكة حقيقية.
إلى احترام للسياق، وللمعرفة المحلية، وللتجربة اليومية داخل المدرسة.
في نهاية المطاف، لا يكمن التحدي في كيفية إصلاح التعليم فقط، بل في من يملك سلطة تخيّل هذا الإصلاح منذ البداية.
ومن دون مواجهة هذا السؤال، سيظل كثير من مشاريع الإصلاح متماسكًا على الورق…
ولكنه هشًّا على ارض الواقع.





