الأحد 17 مايو 2026 6:20:43
في الوقت الذي لم يغب فيه الحليب عن موائد البشر منذ آلاف السنين، عاد هذا «الغذاء الكامل» ليقف في قلب عاصفة من الجدل العلمي، بين من يراه كنزًا غذائيًا لا غنى عنه، ومن يحذر من أضراره المحتملة على الصحة.
وبين منصات التواصل الاجتماعي التي تمتلئ بآراء متناقضة، ودراسات حديثة تحاول حسم الحقيقة، يظل السؤال الأكثر إلحاحًا؛ هل الحليب البقري صديق لصحتنا أم عبء خفي على أجسامنا؟
في هذا التقرير، نستعرض أحدث ما توصل إليه العلم من دراسات وتحليلات طبية، لنفصل بين الحقائق والشائعات، ونضع القارئ أمام صورة متوازنة مبنية على الأدلة، بعيدًا عن التهويل أو التهوين.
تحذيرات من الحليب البقري
أثار الدكتور كريم علي، استشاري السموم، جدلًا واسعًا بعد تصريحاته حول أضرار الحليب البقري، مؤكدًا أن ما يطرحه يستند إلى دراسات علمية وليس مجرد آراء شخصية.
وقال إن هناك «مشكلتين أساسيتين» تتعلقان بالحليب البقري، موضحًا أن بعض الأجسام قد تتعامل معه بصورة غير صحية، ما قد يؤدي إلى آثار سلبية على المدى الطويل، وأضاف أن نسبة كبيرة من البشر تعاني من صعوبة في هضم اللاكتوز، وقد تصل في بعض التقديرات إلى نحو 80%، وهو ما قد يسبب اضطرابات بالجهاز الهضمي مثل الانتفاخ والإسهال.
وأشار إلى أن الحليب البقري قد يساهم لدى بعض الأشخاص في زيادة الالتهابات داخل الجسم، وقد يؤثر على الجهازين المناعي والهضمي، معتبرًا أنه «غير مناسب لبعض الفئات»، كما لفت إلى وجود دراسات تربط بين الإفراط في استهلاك الحليب وبعض المشكلات الصحية، من بينها احتمال زيادة خطر الإصابة بسرطان البروستاتا.
وأكد استشاري السموم أن التحذيرات التي يطرحها مبنية على أبحاث علمية وليست مبالغة أو تخويفًا، محذرًا من الاعتماد المفرط على الحليب كمصدر أساسي للتغذية، موضحًا أن بعض الآراء الطبية ترى أن الحليب «ليس ضروريًا لكل البشر بالدرجة نفسها»، وقد لا يكون الخيار الأمثل للجميع.
فوائد الحليب
في المقابل، أكد الدكتور عماد سلامة، أخصائي التغذية العلاجية، أن الحليب ما زال يُعد من أهم الأغذية الكاملة التي عرفها الإنسان عبر التاريخ، مشددًا على ضرورة الاعتماد على العلم والدراسات بدلًا من الشائعات المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وأوضح أن الحليب ذُكر في القرآن الكريم كغذاء نقي وسائغ، كما وردت الإشارة إليه في السنة النبوية، حيث كان من الأطعمة المحببة، خاصة عند تناوله مع التمر.
وأشار إلى أن الحليب البقري يُصنف باعتباره «غذاءً كاملًا»، لاحتوائه على 18 عنصرًا غذائيًا أساسيًا من أصل 22 يحتاجها الجسم يوميًا، لافتًا إلى أن كوبًا واحدًا من الحليب كامل الدسم يمد الجسم بعناصر مهمة، منها الكالسيوم، حمض الفوليك، المغنيسيوم، والفوسفور، والبوتاسيوم، وفيتامينا A وB12، بالإضافة إلى الزنك والبروتين عالي الجودة بنوعيه «الكازين» و«الواي».
وأضاف أن الحليب يحتوي أيضًا على نسب من الحديد والسيلينيوم، وفيتامينات متعددة مثل B6 وE وK، إلى جانب الدهون المشبعة وغير المشبعة ونسبة من الكوليسترول.
فوائد متعددة مدعومة بالدراسات
وأكد أخصائي التغذية العلاجية أن الدراسات الحديثة تشير إلى عدة فوائد للحليب، أبرزها المساعدة على الشعور بالشبع وتقليل الشهية، دون ارتباط واضح بزيادة الوزن، بل قد يساهم في الحد منها، دعم نمو العظام لدى الأطفال وتحسين كثافتها، مع دور مهم خلال فترة الحمل في تقوية عظام الجنين، بالإضافة إلى تعزيز صحة العظام والأسنان بفضل محتواه من الكالسيوم والبوتاسيوم والمغنيسيوم، كذلك تقليل خطر الإصابة بمرض السكري نتيجة تأثير بروتيناته على تنظيم مستوى السكر في الدم، ودعم صحة القلب من خلال رفع مستوى الكوليسترول الجيد (HDL) والمساهمة في ضبط ضغط الدم، خاصة إذا كان مصدره أبقار تتغذى على الأعشاب.
أضرار محتملة في حالات معينة
وفي المقابل، أوضح د. سلامة أن الحليب قد يسبب بعض الأضرار لدى فئات محددة، من بينها:
- زيادة احتمالية ظهور حب الشباب، خاصة مع الحليب قليل أو خالي الدسم، نتيجة تأثيره على بعض الهرمونات.
- المساعدة على تفاقم بعض المشكلات الجلدية مثل الإكزيما لدى بعض الأشخاص.
- الحساسية من الحليب، والتي تصيب نحو 7.5% من الأطفال، وقد تسبب طفحًا جلديًا واضطرابات هضمية، وفي حالات نادرة أعراضًا خطيرة.
- احتمالية زيادة خطر بعض أنواع السرطان عند الإفراط الشديد في استهلاكه، وفقًا لبعض الدراسات.
- عدم تحمل اللاكتوز، وهي حالة شائعة عالميًا تؤدي إلى صعوبة هضم سكر الحليب.
الاعتدال هو الحل
وشدد د. سلامة على أن الحليب يظل غذاءً مفيدًا ومتكاملًا، لكن الإفراط في تناوله قد يؤدي إلى نتائج عكسية، مؤكدًا أهمية الاعتدال، خاصة لدى من يعانون من الحساسية أو بعض الأمراض مثل مشكلات القولون أو الغدة الدرقية أو الأمراض المناعية.
وأوضح أنه يُفضل في هذه الحالات استبدال الحليب بمنتجات الألبان المتخمرة مثل الزبادي والرايب والجبن المعتق، وفقًا لتقييم الطبيب المختص.
الرد على الشائعات
وحول ما يُثار بشأن احتواء الحليب على هرمونات أو مضادات حيوية، نفى د. سلامة هذه الادعاءات، مؤكدًا أن الألبان المتداولة في الدول العربية لا تحتوي على هرمونات، كما أن أي هرمونات يتم تناولها عن طريق الفم تتحلل داخل الجهاز الهضمي.
وأضاف أن وجود مضادات حيوية في الحليب أمر غير منطقي، لأن تصنيع الزبادي يعتمد على نمو البكتيريا النافعة، وهو ما لا يمكن أن يحدث في وجود مضاد حيوي.
وأكد أن اختيار نوع الحليب المناسب يظل عاملًا مهمًا، موضحًا أن تأثير الحليب يختلف من شخص لآخر، داعيًا إلى تقييم الحالة الصحية الفردية قبل الاعتماد عليه بصورة يومية، والبحث عن بدائل مناسبة عند وجود مشكلات صحية مرتبطة به.
دراسات علمية
تشير دراسات حديثة أُجريت خلال عامي 2024 و2025 إلى أن صورة الحليب ليست «أبيض أو أسود»، بل تعتمد على التوازن بين الفوائد والأضرار المحتملة وفقًا لطبيعة الشخص والكمية المستهلكة، وأظهرت مراجعة علمية واسعة نُشرت عام 2025، وجمعت عشرات الدراسات والتحليلات، أن نحو 37% من النتائج ربطت الحليب بفوائد صحية، 48% لم تجد تأثيرًا واضحًا، لا ضررًا ولا فائدة مباشرة، إلا أن 4% فقط أشارت إلى ضرر محتمل.
وبالتالي، فإن الحليب لا يرتبط بصورة مؤكدة بزيادة الأمراض المزمنة أو الوفاة، بل قد يكون له تأثير وقائي متوسط تجاه بعض الأمراض.
كنز غذائي
تشير أغلب الدراسات الحديثة إلى أن العلاقة بين الحليب وأمراض القلب إما محايدة أو مفيدة بدرجة بسيطة، كما أن بعض الأبحاث لم تجد فرقًا واضحًا بين الحليب كامل الدسم وقليل الدسم.، ويبقى الحليب مصدرًا رئيسيًا للكالسيوم، ويرتبط بتحسين كثافة العظام وتقليل احتمالات الإصابة بالهشاشة، كما تشير بعض الدراسات إلى انخفاض خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني مع استهلاك منتجات الألبان، وأظهرت دراسة لجامعة أكسفورد أن تناول كوب من الحليب يوميًا قد يقلل خطر الإصابة بسرطان القولون بنسبة تقارب 17%، وثبت أن الحليب، خاصة كامل الدسم، يساعد على الشعور بالشبع، وقد لا يسبب زيادة الوزن كما كان يُعتقد سابقًا.





