الخميس 30 أبريل 2026 1:53:10
في ظل الزيادات المتتالية في أسعار شرائح الكهرباء، يتجه عدد متزايد من المواطنين إلى البحث عن بدائل تقلل من قيمة الفاتورة الشهرية، وعلى رأسها تركيب الألواح الشمسية فوق أسطح المنازل، وبينما يُنظر إلى هذا التوجه باعتباره خطوة نحو الطاقة النظيفة، يظل السؤال الأهم؛ هل تمثل الطاقة الشمسية حلًا اقتصاديًا حقيقيًا لكل المواطنين، أم أنها ما زالت خيارًا مكلفًا يقتصر على فئات محددة؟
نظام حديث
وفي هذا السياق، اتجهت شركات توزيع الكهرباء إلى تعزيز دورها في دعم المواطنين للتحول نحو الطاقة النظيفة، من خلال تسهيل إجراءات تركيب الألواح الشمسية بالمنازل، كما تعمل هذه الشركات بالتنسيق مع جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك على تبسيط خطوات التقديم والفحص، وتفعيل نظام «صافي القياس»، الذي يتيح للمستهلك إنتاج الكهرباء واستخدامها، مع الاستفادة من الفائض، بما يخفف الأعباء المالية ويقلل الضغط على الشبكة.
ويبدأ المسار بتقديم طلب رسمي إلى شركة توزيع الكهرباء، مرفقًا ببيانات العداد والتصميم المبدئي، ثم تقوم الشركة بمراجعة فنية للتأكد من مطابقة النظام للاشتراطات وعدم تأثيره على الشبكة، يلي ذلك الحصول على موافقة مبدئية قبل التنفيذ، وبعد الانتهاء من التركيب من خلال جهة معتمدة، تُجري شركة الكهرباء معاينة وفحصًا فنيًا، ثم تقوم بتركيب عداد ثنائي الاتجاه (صافي القياس)، ليتم تشغيل النظام وربطه بالشبكة وبدء ضخ الكهرباء خلال فترات سطوع الشمس.
شرائح الاستهلاك
يقول الدكتور محمد صلاح السبكي، الرئيس التنفيذي والمؤسس السابق لجهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك، ورئيس هيئة تنمية الطاقة الجديدة والمتجددة الأسبق، إن دور الطاقة المتجددة في المنازل يرتبط بشكل مباشر بشرائح استهلاك الكهرباء، موضحًا أن الجدوى الاقتصادية الحقيقية تظهر لدى أصحاب أعلى شريحة سعرية، والتي تتجاوز 2.34 جنيه لكل كيلووات/ساعة، حيث تكون هذه الفئة الأكثر ملاءمة لتركيب الألواح الشمسية والاستفادة من آلية «صافي القياس».
وأشار إلى أن هذا النظام يسمح للمنشآت، سواء كانت منازل أو محال تجارية أو مصانع، بإنتاج الكهرباء للاستخدام الذاتي، مع ضخ الفائض إلى شبكة الكهرباء ليتم احتسابه لصالح المستهلك.
وأضاف أن المنزل متوسط الدخل قد يحتاج إلى نظام بقدرة نحو 3 كيلووات، بتكلفة تتراوح بين 20 -25 ألف جنيه لكل كيلووات، وهو ما يمثل استثمارًا قد تمتد فترة استرداده نسبيًا.
فترة الاسترداد
وأوضح أن فترة الاسترداد تختلف حسب قيمة الاستهلاك؛ فكلما ارتفعت فاتورة الكهرباء، انخفضت مدة استرداد التكلفة لتصل إلى أقل من 5 سنوات، بينما قد تتجاوز هذه المدة 5 سنوات في الشرائح الأقل، ما يقلل من الجدوى الاقتصادية نسبيًا.
وأكد أن استخدام الطاقة الشمسية يسهم في تخفيف الضغط على شبكة الكهرباء، نتيجة إنتاج الطاقة في موقع الاستهلاك، ما يقلل الفاقد في النقل، لكنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة الالتزام بالشروط الفنية التي تضعها شركات الكهرباء وجهاز تنظيم مرفق الكهرباء، خاصة ما يتعلق بإجراءات السلامة وربط النظام بالشبكة بشكل آمن.
دور شركات الكهرباء
وفيما يتعلق بدور شركات الكهرباء، أوضح أنها الجهة المسئولة عن استلام المشروع وفحصه وتشغيله، حيث يتم تشغيل النظام الشمسي خلال فترات سطوع الشمس، وتبلغ ذروة الإنتاج عادة في ساعات الظهيرة.
وأشار إلى أن الدولة، رغم حرصها على دعم المواطنين، لا تستطيع تحمل التكلفة المباشرة لتركيب الأنظمة الشمسية المنزلية، والتي قد تتراوح بين 50 -75 ألف جنيه للنظام المتوسط، لما يمثله ذلك من عبء على الموازنة العامة، كما أن إضافة البطاريات لزيادة الاعتماد على الطاقة الشمسية يضاعف التكلفة تقريبًا، ما يجعلها خيارًا مرتفع التكلفة حاليًا.
وأضاف أن الحكومة قدمت دعمًا غير مباشر، من خلال إعفاء معدات الطاقة الشمسية من الجمارك بنسبة (0%)، إلى جانب التوسع في تنفيذ مشروعات الطاقة المتجددة الكبرى، بهدف تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وأوضح أن استراتيجية الدولة تستهدف أن تمثل الطاقة المتجددة نحو 42% من إجمالي إنتاج الكهرباء، موزعة بين الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
استغلال الطاقة
وأكد أن الدولة لا يمكنها الاستغناء الكامل عن الوقود التقليدي، لكنها تسعى إلى تعظيم الاستفادة من الغاز الطبيعي، وإعادة توجيه جزء من الوفورات الناتجة عن التوسع في الطاقة المتجددة لدعم مشروعات الطاقة النظيفة.
وكشف عن وجود نحو 250 شركة مسجلة ومعتمدة لدى هيئة تنمية الطاقة الجديدة والمتجددة لتنفيذ مشروعات الطاقة الشمسية، تخضع لمتابعة شركات توزيع الكهرباء للتأكد من التزامها بالمعايير الفنية، مشيرًا إلى أن هذه المشروعات ساهمت في إنتاج قدرات كبيرة تُقدَّر بمئات الآلاف من الكيلووات.
وأوضح أن مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء تصل حاليًا إلى نحو 14% من إجمالي الطاقة المنتجة، رغم أن القدرات المركبة أكبر من ذلك، إلا أن طبيعة التشغيل، خاصة للطاقة الشمسية، تجعل مساهمتها الفعلية تختلف حسب أوقات الذروة.
العدادات المستخدمة
وفيما يخص أنظمة العدادات، أشار إلى أن الأنظمة المنفصلة (Off-Grid) تُستخدم غالبًا في المشروعات الزراعية، بينما تعتمد المنازل والمصانع على الربط مع الشبكة، من خلال عداد ثنائي الاتجاه يسمح بتبادل الطاقة وتحقيق عائد من الفائض.
واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن الاستقلال الكامل عن شبكة الكهرباء يتطلب استخدام بطاريات، وهو خيار لا يزال مرتفع التكلفة، ما يجعل الربط مع الشبكة الحل الأكثر عملية في الوقت الحالي.
التكلفة الأولية
ومن جانبه، أوضح الدكتور خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي، أن الطاقة الشمسية أصبحت تمثل حلًا فعليًا لتخفيف الأعباء، ولكن بشكل نسبي، إذ ترتبط جدواها بقدرة المواطن على تحمل تكلفة التركيب الأولية، التي تتراوح في المتوسط بين 50 -75 ألف جنيه للنظام المنزلي، وهي تكلفة تُعد استثمارًا طويل الأجل يحقق عائدًا تدريجيًا عبر خفض فاتورة الكهرباء.
وأشار إلى أن الجدوى الاقتصادية للطاقة الشمسية في مصر ترتبط بشريحة الاستهلاك؛ فكلما ارتفعت تكلفة الكيلووات/ساعة، زادت سرعة استرداد التكلفة، ما يجعلها أكثر ملاءمة لأصحاب الاستهلاك المرتفع.
وتتراوح فترة استرداد التكلفة بين 3 - 5 سنوات في الشرائح الأعلى، وقد تمتد إلى 5 - 7 سنوات في الشرائح المتوسطة، بينما تزيد عن ذلك في الشرائح الأقل استهلاكًا، ما يعني أن العائد الاقتصادي قائم، لكنه يتطلب وقتًا أطول لدى بعض الفئات.
ورغم هذه المزايا، لا تزال الطاقة الشمسية غير مناسبة لجميع الفئات في الوقت الحالي، حيث تميل الجدوى لصالح أصحاب الدخول أو الاستهلاك المرتفع، بينما يواجه محدودو ومتوسطو الدخل صعوبة في تحمل التكلفة الأولية، ما يحد من انتشارها.
تقليل الضغط على الشبكة
وعلى مستوى الاقتصاد، يسهم انتشار أنظمة الطاقة الشمسية المنزلية في تقليل الضغط على شبكة الكهرباء وخفض استهلاك الوقود التقليدي، خاصة الغاز الطبيعي، بما يدعم توجه الدولة نحو تقليل الاعتماد على المصادر الأحفورية، كما يسهم في تقليل أعباء دعم الطاقة على الموازنة العامة.
في المقابل، قد يؤدي التوسع في هذا الاتجاه إلى تراجع جزئي في إيرادات شركات الكهرباء على المدى القصير، إلى جانب الحاجة لتطوير الشبكات لاستيعاب الإنتاج اللامركزي للكهرباء.
وأكد الشافعي أن التوسع في استخدام الطاقة الشمسية يتطلب تدخلًا من الدولة عبر تقديم تسهيلات تمويلية، مثل القروض الميسرة أو أنظمة التقسيط، إلى جانب تبسيط الإجراءات، مشيرًا إلى أن العائق الأساسي أمام المواطنين ليس غياب الجدوى، بل ارتفاع تكلفة البداية.
وتقف الطاقة الشمسية في مصر حاليًا في منطقة وسطى بين الحل الاقتصادي والرفاهية؛ فهي استثمار ناجح على المدى الطويل، لكنه يحتاج إلى دعم وتمويل ليصبح في متناول جميع المواطنين، وليس فقط القادرين على تحمل تكلفته الأولية.





